النصّ الكامل لكلمة رئيس الحكومة الحبيب الصيّد في الأمم المتحدة

النصّ الكامل لكلمة رئيس الحكومة الحبيب الصيّد في الأمم المتحدة

 


ألقى منذ قليل رئيس الحكومة السيد الحبيب الصيد كلمة من اعلى منبر المنتظم الاممي بنيويورك  في قمة اعتماد اجندة التنمية لما بعد  2015 فيما يلي نصها :

السيّد الرئيس،
السيّد الأمين العام،
أصحاب السموّ والفخامة،
أصحاب المعالي والسعادة،
حضرات السيدات والسادة،

يطيب لي في مستهل هذه الكلمة أن أتوجّه إلى السيّد "موجن يكتوفتMogens Lykketoft " ومن خلاله إلى بلده الدنمارك بأحرّ التهاني  بمناسبة تولّيه مهام رئيس الدّورة السبعين للجمعيّة العامة للأمم المتحدة، متمنّيا له كلّ النجاح والتوفيق  في إدارة أعمال الجمعيّة العامّة في سنة مفصليّة ستشهد بداية تحرك أمميّ واسع لتحقيق التنمية المستدامة والمتكافئة للجميع. كما أودّ أن أعرب عن عميق تقديري للسيد "  Sam Kahamba Kutesa" على ما بذله من جهود قيّمة خلال رئاسته للدورة السابقة للجمعية العامة.

ولا يفوتني بهذه المناسبة أيضا أن أعبّر لمعالي السيد "بان كي مون"، الأمين العامّ للأمم المتّحدة، عن خالص شكري وفائق تقديري لمساعيه النبيلة علىى رأس المنظمة الأمميّة، مُجدّدا له الإعراب عن دعم تونس المتواصل له في الاضطلاع بمهامه السّامية.

حضرات السيدات والسادة،
لقد شهدت تونس خلال السنة المنقضية والحاليّة تطوّرات هامّة على درب استكمال مسار انتقالها الديمقراطي، اتّسمت بتنامي الوعي السياسي والحسّ الوطني لدى الطبقة السياسية ومكوّنات المجتمع المدنيّ، بما مكّن من اعتماد الحوار كسبيل أوحد لحلّ الأزمات والخلافات والبحث عن التوافقات توقيا من الانزلاقات نحو العنف والإقصاء والانفراد بالرأي.

ولقد اهتدت تونس بفضل هذا النهج التوافقي إلى اعتماد دستور جديد للبلاد جاء مجسّما للقيم الأساسية للديمقراطية وحقوق الإنسان وقواعد التداول السلمي على السلطة. كما جا لما بعد ء ضامنا للحقوق والحريات، مكرّسا لقيم التسامح ونبذ العنف، مؤكدا على الدور الريادي للمرأة وداعما لفرض سلطة القانون ولإرساء قواعد متينة لنظام سياسي ديمقراطي لا يسمح برجوع ممارسات التفرّد والاستبداد.

كما تسنّى لتونس في إطار استكمال مراحل المسار الانتقالي تنظيم انتخابات تشريعية ثمّ رئاسية شهد لها جميع المراقبين في الداخل والخارج بالنزاهة والشفافيّة والاستقلاليّة وأثمرت لبنة إضافية على درب إرساء مؤسسات ديمقراطية دائمة وقويّة.

ولأن أيّ نجاح للعمليّة السياسيّة يبقى بالتوازي رهن تحقيق النقلة النوعيّة المنشودة على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي، تعكف الحكومة التونسية، من منطلق وعيها بضرورة مجابهة التحديات المرحليّة ولا سيّما منها معالجة أزمة البطالة والنهوض بالاستثمار والارتقاء بمستويات التنمية الجهوية وتحقيق العدالة الاجتماعية على إعداد الرؤية الإستراتيجية لتونس للسنوات 2016-2020 والتي ستتحدّد بمقتضاها التوجهات المستقبلية الوطنيّة في مجال التنمية المستدامة.

ولئن تؤكد تونس في هذا الإطار على مسؤوليتها في النهوض بمستويات نموّها وتحقيق تطلعات شعبها، فإنها تهيب بالمجموعة الدوليّة وبأصدقائها وشركائها من أجل دعم الجهود الوطنيّة لا سيّما في مجالات تشغيل الشباب والنهوض بالاستثمار ودعم التنمية المحليّة والجهوية.

حضرات السيدات والسادة،

إن التغيرات الإقليمية السريعة والمتلاحقة التي شهدتها منطقة انتمائنا الجغرافي خلال السنوات الأخيرة أفرزت تفاقما لخطر الإرهاب الذي بات يتهدد أمن واستقرار عديد الدول في المنطقة ومن بينها تونس.

ولئن حققت بلادنا نجاحات نوعيّة على الصعيد الأمني في مكافحة ظاهرة الإرهاب لا سيّما عبر إفشال عديد المخططات الإرهابية والقضاء على عديد العناصر الإجرامية الناشطة صلب التنظيمات المتطرفة وإيقاف عديد المشتبه بهم ووضعهم على ذمّة العدالة، فإنها شهدت في غضون هذه السنة عمليّتين إرهابيّتين جبانتين استهدفتا كلا من متحف باردو وإحدى الوحدات السياحيّة بمدينة سوسة في محاولة يائسة لتقويض نمطنا المجتمعي، نمط الوسطية والإعتدال والتسامح، وللإضرار بالاقتصاد الوطنيّ من خلال استهداف القطاع السياحي الذي يمثّل أحد أبرز القطاعات الحيويّة.

وإذ نجدّد الإعراب عن عميق أسفنا لما خلّفته هاتان العمليّتان من خسائر في الأرواح من بين زوّار تونس وأصدقائها، فإننا نشدد على أن مقترفي هذه الفضاعات لم ولن يفلتوا من العقاب. كما أننا نؤكد على أننا لن نسمح للإرهاب بأن يُحقّق مآربه أو أن ينال من عزم كافة مكونات المجتمع التونسي على دحره، مع يقيننا التّام بأنّ معركتنا ضد هذا الخطر الداهم والعابر للحدود لن تكون يسيرة.

وتنبني مقاربتنا للإرهاب على مقاربة شاملة ومتكاملة تتجاوز ضرورات التعاطي الأمني والعسكري في مكافحة هذه الآفة لتشمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافيّة.

وعلى الصعيد الدولي بات ما نشهده جميعا من شيوع ظاهرة الإرهاب والتطرّف في شتّى أنحاء العالم دافعا قويّا للتفكير في ضرورة مقاومة الإرهاب ضمن رؤية شاملة تتماشى مع أطر التعاون القائمة على الصعيدين الثنائي ومتعدد الأطراف. وإذ نثمّن كل المبادرات الرامية إلى تنسيق المجهودات الدولية من أجل مكافحة هذه الظاهرة، فإننا نجدد الدعوة من أعلى هذا المنبر إلى عقد مؤتمر دولي رفيع المستوى لمكافحة الإرهاب بتونس لتوحيد التحرك الدولي في الخصوص ووضع إستراتيجية دوليّة ترمي للقضاء التدريجي على هذه الآفة واجتثاثها من جذورها. 

حضرات السيدات والسادة،

إن ما يشهده عالمنا اليوم من تفاقم مفزع للنزاعات والتوترات على اختلاف أسبابها يبعث على القلق والانشغال الشديدين ويستدعي من المجموعة الدوليّة بأسرها مضاعفة الجهد من أجل البحث عن سبل الحد من هذه النزاعات بالطرق السلميّة لا سيما عبر تغليب لغة الحوار وجهود الوساطة وتعزيز أنشطة بناء السلام.

ولأن القضية الفلسطينية تظل بالنسبة لتونس جوهر الصراع وأمّ القضايا في المنطقة، فإننا نجدد مساندتنا المطلقة للشعب الفلسطينيّ الشقيق في مساعيه الرامية إلى استرداد حقه المشروع في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة.

وإذ تساند تونس جهود استئناف مفاوضات السلام بين الجانبين الفلسطينيّ والإسرائيلي وفق جدول زمني محدد لإنهاء الاحتلال وتلك الرامية إلى استصدار قرار أممي ينهي الاحتلال الإسرائيلي ويعيد للشعب الفلسطيني حقوقه المشروعة، فإنها تدين في نفس الوقت الحصار الإسرائيلي المتواصل لقطاع غزّة وسياسة الاستيطان الإسرائيلي باعتبارها خرقا للقانون الدولي وللشرعيّة الدوليّة وسعيا لفرض واقع جديد من شأنه تقويض حلّ الدولتين وعرقلة جهود استئناف المفاوضات على أساس تسوية تحقق الأمن والاستقرار لكل دول المنطقة.

وفي المحيط المباشر لتونس، يعيش الشعب الليبي الشقيق ويلات أزمة عصفت بأمنه واستقراره وتجاوزت تداعياتها حدود الدّولة الليبيّة لتُهدّد استقرار سائر أرجاء المنطقة  ولا سيما تونس.

وإن اعتقادنا لراسخ بأنّ الحوار يبقى الحل الوحيد لتجاوز الخلافات الدّاخلية في ليبيا الشقيقة وتحقيق المصالحة الوطنيّة واحترام إرادة الشعب الليبي بدعم الحل السياسى ونبذ العنف.

و أؤكد في هذا السياق على دعم تونس الدائم للشقيقة ليبيا وعلى تأييدها لجهود التسوية السياسية المبذولة برعاية أممية من أجل إقرار الاتفاق السياسي وتشكيل حكومة وفاق وطني تحظى بدعم المجتمع الدولي.

كما أودّ أن أشدّد من أعلى هذا المنبر على أن المخاطر والتهديدات المحدقة بدولنا المجاورة جراء تزايد تمدّد نفوذ ما يسمّى بتنظيم "داعش" الإرهابي بليبيا، يستدعي أكثر من أي وقت مضى مزيد التنسيق والتشاور بين دول الجوار المعنيّة ومساندة دوليّة لهذه المجهودات، حفاظا على وحدة وأمن واستقرار هذا البلد الشقيق من جهة، ودرءا  لكل ما قد يترتب عن تفاقم هذا الخطر من تهديدات على دول المنطقة، من جهة أخرى.     

وفي نفس سياق التعاطي مع الأزمات في منطقتنا، فقد مرّت أربع سنوات ونصف والمأساة السورية لا تزال تشتد في صراع بلا هوادة تعدّدت فيه الأطراف المتناحرة لتعكس مدى استفحال الأزمة السياسية والإنسانية التي فاقمت معاناة الأشقاء السوريين بين ويلات الموت أو التشريد أو اللجوء، بما يستوجب تحرّكا جديّا عاجلا للمجتمع الدولي لحشد الجهود وتنسيقها في اتجاه اتخاذ إجراءات فورية لإنهاء العنف والفوضى ولحماية الأرواح.

وتهيب تونس بجميع الأطراف الفاعلة في النزاع السوري لتكثيف الجهود من أجل إيجاد تسوية سياسيّة توافقيّة للأزمة تحتكم إلى منهج الحوار والحلول السلميّة، كما أنها تبارك الجهود المبذولة على الصعيد الأممي بما يحيي الأمل مجددا في التوصل إلى حل سياسي توافقي جامع يبعد عن سوريا مخاطر التفكك والتقسيم.
وإزاء ما يمرّ به اليمن الشقيق من أوضاع خطيرة وكارثة إنسانية، باتت تهدّد تماسك المجتمع اليمني واستقرار اليمن ووحدته كدولة، فإن تونس تبدي دعمها المطلق ومساندتها لكل المساعي الرامية إلى إيقاف نزيف العنف والحرب ومساعدة اليمن على تجاوز المحنة التي تردّى فيها وتخفيف معاناة اليمنيين. كما نهيب بمجمل الفرقاء اليمنيّين للعودة مجددا إلى طاولة المفاوضات وتغليب منطق التوافق والحوار ضمن الإطار الذي سبق التوصل إليه لتنظيم الانتقال السياسي في البلاد.

وليس ببعيد عن هذا القطر العربيّ الشقيق، بات استفحال الأوضاع في العراق  وما شهده من تغلغل للإرهاب فيه وعمليات إبادة عرقية ودينية مفجعة مبعثا على الانشغال والقلق الشديدين لكل بلدان المنطقة، مما يستدعي أكثر من أي وقت مضى وقفة جديّة من قبل كافة الفاعلين على الصعيدين الإقليمي والدولي لإعادة الأمن والاستقرار ومحاسبة مرتكبي الجرائم البشعة التي طالت التراث المادي الإنساني والذات البشرية على حدّ السواء والقضاء على التنظيمات الإرهابية والإجرامية في هذا البلد الشقيق.

حضرات السيدات والسادة،

لقد تميّزت الدورة السابقة للجمعيّة العامّة للأمم المتحدة بتعدّد الاستحقاقات على الأصعدة السياسية والتنموية والأمنيّة والتي شهدت تضافرا ملفتا لجهود جميع الفاعلين على الصعيد الدولي من أجل توفير سبل النجاح لها من منطلق ما لمسناه من تنام للوعي بضرورة إضفاء أكثر عدلا على العلاقات الدوليّة والحد من الفوارق التنموية وتحقيق التنمية المستدامة للجميع بمختلف أبعادها الاقتصادية والاجتماعية والبيئيّة.

ولعلّ من أبرز هذه الاستحقاقات انعقاد قمة الأمم المتحدة حول اعتماد أجندة للتنمية لما بعد سنة 2015 وما انبثق عنها من مقررات هامّة من شأنها المساهمة الفعليّة  في أفق سنة 2030 في التقليص من نسب الفقر وتحقيق النهوض الاجتماعيّ والإسهام الفعلي في الحد من الفوارق بين دول الشمال ودول الجنوب والرفع من مستويات التنمية بجميع أبعادها لا سيما في الدول النامية والأقل نموّا.

كما أنّ توفّق المؤتمر الدولي الثالث لتمويل التنمية المنعقد بأديس أبابا في جويلية 2015 إلى اعتماد وثيقة ختاميّة عكست في جزء كبير منها مشاغل الدول النامية والأقل نموّا في مجالات تمويل التنمية ونقل التكنولوجيا ودعم القدرات، جاء مكمّلا للجهود الدوليّة  في المجال  لا سيّما من حيث دعم وسائل تنفيذ الأجندة العالميّة للتنمية لما بعد سنة 2015.


ولقد حرصت تونس على المساهمة بجديّة في إنجاح هذه الاستحقاقات من خلال مشاركتها الفاعلة في مساراتها التحضيريّة من منطلق عضويتها لفريق العمل المفتوح حول أهداف التنمية المستدامة أو صلب مجموعات الانتماء الجغرافي أو في إطار المشاورات والتظاهرات الوطنيّة والإقليمية التي انتظمت للغرض، كما تولّت مؤخرا في إطار نفس المساعي الرامية إلى دعم مجهودات المجموعة الدوليّة في مجال التنمية المستدامة ولا سيما استعداداتها للمؤتمر الحادي والعشرين للأطراف في الاتفاقية الأممية حول تغير المناخ المزمع التئامه بباريس في موفى السنة الحاليّة إعداد "مساهمتها المقررة والمحددة وطنيّا" والتي تعكس الجهود الوطنيّة في مجالي التخفيف والتأقلم والبرامج المستقبليّة في هذا الإطار.

وإذ تشيد تونس بالنجاحات النسبيّة التي حققتها المنظمة الأمميّة في المجالات   المشار إليها، يبقى اعتقادنا راسخا بضرورة العمل على إضفاء أكثر نجاعة وفعاليّة على أداء المنظمة في معالجة أهم القضايا التي تواجهها الإنسانية اليوم وبخاصّة عبر توسيع دائرة صنع القرار وتصحيح الاختلال القائم في العلاقات الدولية وتكريس مبدأ الشراكة لا سيما  عبر التسريع في عمليّة إصلاح منظّمة الأمم المتّحدة بشكل يعكس الواقع الحقيقي للمجتمع الدولي ومدى تنوّعه ويضمن تمثيلا عادلا صلب مجلس الأمن ويمنح الجمعيّة العامة الصلاحيات الضرورية لتكريس الديمقراطية والتعددية والعدالة صلب المجموعة الدولية.

وإن اختيار موضوع "70 سنة من الأمم المتحدة: السبيل نحو السلم والأمن وحقوق الإنسان" كمحور للدّورة الحالية للجمعيّة العامّة يستدعي الوقوف وقفة تأمل حول ما تحقق في هذه المجالات.

حضرات السيدات والسادة،

إننا جميعنا اليوم مسؤولون على تعديل هذه الموازنات المختلّة وعلى تغيير مصير شعوب الإنسانية قاطبة في اتجاه تحقيق مزيد من العدل والمساواة وتحقيق التنمية المستدامة المتكافئة وطرد هواجس التفرقة والتصادم ومدّ جسور التواصل و العمل المشترك في كنف الاحترام المتبادل.

وإن تونس لن تدّخر جهدا من موقعها في سبيل تحقيق هذه الأهداف النبيلة.

ختاما، أودّ أن أجدّد الإعراب عن أملي في أن أرى منظّمتنا الأممية قادرة على رفع التحدّيات الكبرى التي تواجهنا اليوم وأن تتمكّن بفضل الإرادة المشتركة للدول الأعضاء من تحقيق السلم والنماء والأمن. وإنّي لعلى يقين بأنّ القواسم المشتركة التي تجمعنا تفوق بكثير الاختلافات التي قد تفرّقنا.


                                                          أشكر لكم حسن الإصغاء
        والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

التعليقات

علِّق