الصحافة المكتوبة في تونس : 80 % تسير نحو الإندثار والبقية نحو الإفلاس؟؟

الحصري - مجتمع
لا شك أن الصحافة المكتوبة دقت نواقيس الخطر ولم تعد الأوضاع في هذا القطاع تحتمل التأجيل أو غض النظر أو مواصلة السير على نفس المنوال . فقد دخلت الصحافة المكتوبة نفقا مظلما يصعب الخروج منه إذا لم تتوفر في القريب العاجل أدنى شروط الإنقاذ .
أسباب الأزمة ؟
وقبل الحديث عن الإنقاذ دعونا نتحدث عن الأسباب التي أدت إلى هذا الوضع الخانق . والحقيقة أن الأسباب عديدة ولا تحصى ولا تعدّ لكن لنأخذ أهمها على الأقل . فخلال السنوات الماضية تضاعف ثمن ورق الطباعة الذي نستورده من الخارج . وتبعا لذلك ارتفعت تكاليف الطباعة خاصة بالنسبة إلى الصحف والمجلات التي ليس لها مطابع خاصة بها . وإضافة إلى هذا ارتفع عدد الصحافيين في بعض المؤسسات مع ارتفاع عدد المتخرجين من معهد الصحافة . وهذه النقطة بالذات خلفت إشكالين في نفس الوقت : من جهة تم انتداب الكثير منهم في المؤسسات الصحفية ومن جهة أخرى أصبح العدد وسيلة ضغط على السابقين كي لا يطالبوا بشيء طالما أن غيرهم مستعد للعمل بنصف الأجر إن لزم الأمر أمام ارتفاع عدد العاطلين أيضا . ومن جهة أخرى كان الإشهار العمومي وما زال " ظالما " ولا يقع توزيعه حسب معايير موضوعية وهو الذي أثرى منه البعض من أصحاب المؤسسات الإعلامية قبل الثورة بالخصوص وبعدها أيضا في حين حرم منه البعض الآخر سنوات عديدة . ومع عدم العدالة في توزيع الإشهار العمومي تقلّص أيضا الإشهار الخاص حيث أن المستشهرين لم تعد الصحافة المكتوبة تستهويهم ما عدا عنوانا أو عنوانين أو ثلاثة ما زالت واقفة بقدرة قادر .
أسباب أخرى
وإضافة إلى الأسباب التي ذكرنا ما زال محتكر التوزيع في تونس الكبرى حيث يتوزع نصف الكميات من الصحف المطبوعة يوميا يملي شروطه ويتحكم في سوق التوزيع في الولايات الأربع وهو الذي بيده " تطليع " صحيفة أو خنقها والحيلولة دونها والوصول إلى القراء بطرق ملتوية يعرفها العاملون في القطاع ولم يتخلّ عنها " صاحبنا " إلى اليوم . ومن الأسباب الموضوعية أيضا أن بعض أصحاب المؤسسات الإعلامية جعلوا منها مطيّة لقضاء حوائجهم وشراء المنازل والسيارات لهم ولأبنائهم ولم يستثمروا في القطاع بل قاموا بتهميش الصحافيين العاملين معهم وأكلوا حقوقهم رغم أنهم يزعمون أن رأس المال الحقيقي بالنسبة إليهم هم الصحافيون . ويضاف إلى هذا كله الضغوطات التي تقوم بها نقابة الإعلام وليس نقابة الصحافيين من أجل فرض زيادات كبرى في القطاع الذي يشهد حالة من الإختناق غير مسبوقة في تاريخ الصحافة المكتوبة .
أسماء كبيرة قد تندثر؟
لم تستثن الأزمة التي أصابت الصحافة المكتوبة حتى الأسماء أو العناوين المعروفة على غرار صحيفة الأعراف " البيان " التي كانت منذ ثمانينات القرن الماضي مثالا في " الخلاص " بالنسبة إلى العاملين القارّين والمتعاونين بما أنها ممولّة من قبل منظمة الأعراف . هذه الصحيفة طالتها الأزمة أيضا . وقد تأتي الأزمة قريبا على أغلب العناوين إن لم تأت الحلول من قبل أهل القطاع ومن قبل الحكومة التي يجب عليها أن تبحث بصفة جدية عن الحلول الجذرية وليس عن الحلول الترقيعية التي لا تغني ولا تسمن من جوع . فهذه الصحف بمختلف أنماطها وبقطع النظر عن محتوياتها هي في النهاية ذاكرة البلد التي يجب على الدولة في المقام الأول أن تحافظ عليها . وعندما تريد الدولة أن تعالج هذا الملف بكل جدية يجب عليها أن تستأنس بآراء أهل القطاع قبل غيرهم لأنهم أدرى بشعاب مهنتهم وتضاريسها من أي طرف كان .
هل يجدي الإضراب ؟
من المنتظر أن يدخل قطاع الصحافة المكتوبة في إضراب يومي 12 و 13 ماي المقبل . لكن هل سيكون الإضراب مجديا أي هل أنه سيفضي إلى الحلول التي يرجوها أهل القطاع ؟. إن كان الأمر كذلك فمرحبا بالإضراب وإن كان لن يجدي نفعا فما الفائدة منه أصلا ؟. وفي كل الحالات فهو كالشّر الذي لابد بدّ منه باعتبار أنه سيلفت انتباه الرأي العام على الأقل إلى حقيقة الأوضاع التي باتت الصحافة المكتوبة تتخبّط فيها ووصلت بسببها إلى المنطقة الحمراء .
جمال الماكي
التعليقات
علِّق