نسمة وحنبعل والحملة المسعورة لتجييش الشعب ضد الهايكا بالباطل ...

الحصري - مقال رأي
بقلم : جمال المالكي
قامت الدنيا يوم أمس ولم تقعد بسبب ما عرف لدى الرأي العام التونسي والعالمي بقضية قناتي نسمة وحنبعل وبعض وسائل الاتصال السمعي البصري الأخرى من جهة والهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري المعروفة اصطلاحا باسم " الهايكا " .
وقد خصصت قناة نسمة ما لا يقل عن 12 ساعة من البث المباشر يوم أمس الأحد إضافة إلى ما بثته يوم السبت والأيام التي سبقت لهدف واحد وهو مهاجمة هيئة السمعي البصري وإظهارها في موقع الظالم المستبد الذي لا يرحم ولا يترك رحمة الله تنزل ...وقالت إنها تبث في ربط مباشر مع قناة حنبعل التي كانت بالأمس القريب " المنافس الشرس الذي لا يمكن التفاهم معه حتى على أبسط الأشياء " ...؟؟؟
ولئن انطلت الحيلة أو كادت على السواد الأعظم من الناس الذين لا يعرفون الخفايا والحقائق فإنها لا تنطلي علينا نحن الذين " حفيت " رؤوسنا وأقلامنا في هذا الميدان منذ ما لا يقل عن 30 عاما كان خلالها أصحاب نسمة وأصحاب حنبعل أو أغلبهم على الأقل يناشدون بن علي للبقاء ويقولون للناس إن الحياة لا يمكن أن تستمر دون بن علي في الحكم ...
أصل الحكاية ؟
بكل الوسائل المتاحة حاولت قناة نسمة أن تقنع الناس بأن " الهايكا " تسلّطت عليها وأصدرت قرارا بغلقها صحبة قناة حنبعل والبعض من الإذاعات التي لم تستوف ملفاتها لسبب أو لآخر ... وبكل الجهد الممكن أيضا ربطت ما ادعته بتوقيت الإنتخابات أو اقتراب الحملة الانتخابية وقالت إن الهيئة تسعى إلى " إخماد " صوت نسمة ... صوت حرية التعبير والديمقراطية في هذه الفترة التي أصبح فيها وجودها أكثر من ضروري ... وفي حركة تذكرنا بما كان يفعله " باعث القناة " جمعت آراء من الشارع التونسي وبثت كل ما هو في صالحها ... وكالعادة لم نجد رأيا واحدا مخالفا ومساندا للهيئة والحال أن 90 في المائة على الأقل يجهلون ما معنى " الهايكا " أصلا ...ومثلما فعلت بعد حكاية فيلم " برسيبوليس " الذي لا علاقة له لا بحرية التعبير ولا بالديمقراطية لا من قريب ولا من بعيد حاولت نسمة مرة أخرى أن تغالط الرأي العام وأن تقول إنها " ضحية لديكتاتورية الهيئة " وأصبحت بين عشية وضحاها من أشد المدافعين عن الصحافيين الذين تفننت إدارة نسمة في إهانتهم من خلال تشغيلهم خارج الأطر القانونية المعروفة ومن خلال طردهم عندما يشاء " رب الديمقراطية في المغرب العربي الكبير " ... ( والمغرب العربي ...هذه حكاية أخرى قد نعود للحديث عنها ) ...وقالت نسمة في أكبر مغالطة للرأي العام إن الهيئة أصدرت قرارا بغلقها والحال أن شيئا من هذا لم يحصل بل إن الهيئة تدرجت في العقوبات من التنبيه إلى الغرامة المالية ولم يطرح الآن موضوع الغلق مطلقا ...
لا يعرفون الحقيقة ؟؟؟
ومن أجل إخراج جيد ( هو في الواقع من أسوأ ما يكون ) وحتى تكتمل الصورة التي تريد نسمة تسويقها دعت إلى " البلاطو " جيشا من التونسيين من مختلف التوجهات والمشارب ... وبمجرد الصدفة أيضا تكلموا كلهم في اتجاه واحد وصارت نسمة في لحظات أحسن قناة في العالم ورائدة القنوات المدافعة عن الديمقراطية والحرية في العالم ... وأصبحت " الهايكا " التي أؤكد لكم مرة أخرى أن العديد ممن تحدثوا عنها لا يعرفون ما تعني ... وفي ظرف وجيز أكبر هيكل ظالم ومستبد في العالم ... ومن المفارقات العجيبة أن بعض الوجوه التي هاجمت الهيئة هي ذاتها من دافعت عن وجودها عندما كانت الحكومة تماطل وتراوغ في تأسيسها ... ولعل من المضحكات المبكيات أن السيد النائب محمود البارودي على سبيل المثال وإمعانا في المديح المجاني قال بالحرف الواحد " إن قناة نسمة قناة خاصة لكنها في مرتبة المرفق العمومي " ؟؟؟. وهو طبعا لا يقول هذا الكلام لله في سبيل الله بل من أجل ما ينتظره من دعم في الانتخابات ... وباختصار شديد نقول إنه لا يعقل أن يأتي سياسيون وفنانون وممثلون إلى قناة نسمة وأن يتهجموا على هيئة لا يعرفونها انطلاقا من مشكل مفتعل مبني أصلا مغالطات وعلى باطل ... وإذا كان هؤلاء يعتبرون أنفسهم من النخبة فهل نلوم عامة الناس إذا فعلوا ما هو أشد وأشنع ؟؟؟. ( إحدى التونسيات هددت بثورة جديدة إذا تم إغلاق نسمة ...) .
لا ندافع عن الهيئة بل عن الحقيقة
قبل أن نصل إلى هذه النقطة دعونا نذكّر أيضا بأن بعض الزملاء الصحافيين قد انخرطوا أيضا في لعبة نسمة دون وعي وأن عليهم أن يراجعوا مواقفهم لا لشيء إلا لأنه من غير المقبول أن ندافع عن الباطل . أما هذا الذي نكتبه فليس دفاعا عن " الهايكا " بل هو دفاع عن المبدأ والحق ... صحيح أن هذه الهيئة قد ارتكبت بعض الأخطاء رغم أنه لم يمض على وجودها وقت طويل وخاصة في ما يتعلق بالتعيينات في الإعلام العمومي ... صحيح أنها قد تكون ظنت أن صلاحياتها مطلقة وتتجاوز ما جاء به المرسوم 116 أو أن البعض قد يصنفها على أنها وزارة إعلام جديدة تقيّد الحرية والديمقراطية في هذا الميدان ... صحيح أيضا أن تركيبتها قد أسالت انتقادات وحبرا لا حدود لهما لكن يجب أن نعتبر أنها مكسب هام في زمن انتقالي وفي الوقت الذي ما زالت فيه بعض الدول الديمقراطية تتعامل مع الإعلام من خلال وزارة وليس هيئة مستقلة مثل " الهايكا " بكل العيوب التي فيها ... يجب علينا اليوم أن نقبل هذه الهيئة وأن نسعى إلى تصحيح مسارها في انتظار المؤتمر الذي سيعقب انتهاء مهمتها لنأتي بهيئة أفضل ... لكن هذا لا يعني أن نتهجم عليها وعلى أفرادها بمثل ما فعلت نسمة ...
للتذكير... وللحقيقة
إن الهجوم الكاسح الذي شنّته نسمة على الهيئة بعيد كل البعد عن حرية التعبير وحرية الرأي وعن الانتخابات و" توجيهها " وعن الديمقراطية ... وعن كل الأسباب التي تذرعت بها نسمة . أما الحقيقة التي يجب أن يعرفها الناس جميعا فهي أن نسمة وحنبعل بالخصوص قد رفضتا إمضاء كراس الشروط الذي يحدد العلاقة بين الطرفين بكل أبعادها . وعدم الإمضاء يعني عدم الرغبة في الإذعان إلى القانون بكل ما فيه من عيوب مثلما قلنا طالما أن القنوات الأخرى التي لا مشاكل لها مع الهيئة في هذا الباب قد أمضت ... وترفض نسمة الإمضاء لأن كراس الشروط يحدد بعض الأمور على غرار الإشهار الذي لا يجب أن تتغلب نسبته على ما هو معمول بع في الدول الديمقراطية ... وغير هذا من الشروط التي فيها غالبية مقبولة وقلّة غير منطقية يجب العمل على تطويرها أو تغييرها .
التعليقات
علِّق