مشروع قانون زجر الإعتداء على القوات المسلحة : لا شيء غير الزجر والسجن والغرامات ... !!!

مشروع قانون زجر الإعتداء على القوات المسلحة  : لا شيء غير الزجر والسجن والغرامات ... !!!
الحصري - مجتمع
قدمت الحكومة التونسية ...  نعم التونسية إلى مجلس نواب الشعب مشروع قانون يتعلق بزجر الإعتداء  على القوات المسلحة . وبكل المقاييس التي في العالم فإن هذا المشروع غريب وشديد القسوة  وشديد الرغبة في الزجر والسجن  والردع  ولا ندري كيف لهذه الحكومة أن تتجرّأ على تقديمه ... وأكثر من هذا لا نعتقد أن أية حكومة  في عهد بن علي كانت تتجرّأ أيضا على تقديم مشروع  قانون بهذه  الحدّة  وهذه الروح الزجرية الغريبة .
وبالعودة إلى الصيغة التي حيكت بها فصول هذا المشروع وعددها 20 فصلا  نقف للوهلة الأولى عند رغبة لا مبرّر لها في الزجر دون أي حديث عن التوعية أو التوقّي أو أي شيء يخرج عن دائرة الزجر. ومن جهة أخرى  جاءت بعض الصيغ والتعريفات ضبابية وعامة بما يفتح باب التأويلات على مصراعيها  .
ضد روح الدستور ؟؟؟
أما عن روح المشروع قبل الحديث عن محتواه فهي منافية للدستور متضاربة مع روحه ومبادئه التي وجدت توافقا من قبل أغلب أعضاء المجلس التأسيسي الذين كانوا يمثلون الشعب في النهاية . وقد جاءت العقوبات المقترحة  أثقل وزنا وأكبر حجما مما كان يحدث في عهد بن علي عندما كانت بعض التهم تلفّق للمعارضين للزج بهم في السجون أو مضايقتهم ومساومتهم .
ضد حرية الإعلام ؟
نص الدستور التونسي بكل صراحة وبكل وضوح على أن الدولة هي التي تضمن الحق في الإعلام  والحق في النفاذ إلى المعلومة . أما إذا مرّ هذا المشروع وصادق عليه مجلس نواب الشعب  فلا حرية ولا نفاذ ولا هم يحزنون . فهو يجرّم نقل أية معلومة تخص القوات المسلّحة ( والمقصود هنا الجيش والشرطة والحرس )و يتعرّض ناقلها المنتمي إلى أحد هذه الأسلاك إلى عقوبة  السجن 10 سنوات مهما كانت بساطة المعلومة  أو " تفاهتها " ...كما يعاقب ناشرها ( الصحافي أو المدوّن مثلا ) بنفس العقوبة أي 10 سنوات وراء القضبان . وأكثر من هذا فإن مجرّد الإطلاع دون ضرورة النشر على ما أسماه المشروع " أسرارا أمنية " أو أسرارا تمسّ بأمن البلاد  يمكن أن يؤدي بالمطّلع ( الحاج كلوف ) إلى زيارة دار خالته لمدة 10 سنوات. ومعنى هذا أن التعتيم على كافة أخبار المؤسستين الأمنية والعسكرية سيصبح القاعدة المعتمدة  . أما خلاف هذا فالعصى لمن عصا ... ويعني هذا أيضا أن المؤسستين المذكورتين  يراد لهما أن تكونا فوق النقد بما أن أي رأي سيكتب عن إحداهما سيعرّض صاحبه إلى عقوبة بالسجن لا تقل عن عامين إضافة إلى غرامة مالية " قمقومة " . 
المهمّ هو العقاب ؟
في بعض فصول هذا المشروع  لا نفهم هذه الرغبة الجامحة في إنزال العقاب بخلق الله الآمنين . ففي الفصل 14 على سبيل المثال بقول المشروع إن كل من " يشارك  ضمن جمع غير مسلّح في الإعتداء على مقرات تابعة للقوات المسلّحة أو أماكن احتفاظ أو إيقاف ..." يعاقب بعشر سنوات سجنا . وأغرب من هذا إذ أن العقوبة تصبح 20 سنة سجنا لو اتضح أن أحد المشاركين كان يحمل أي صنف من أصناف السلاح ظاهرا أكان أم مخفيّا ...  وهذه نقول عنها في تعبيرنا الشعبي " يجيك البلاء يا غافل " ولكم أن تتصوّروا أن أحدكم  لا قدر الله  شارك في مسيرة " للإعتداء   " على مقر للقوات المسلحة وكان في المسيرة شخص يحمل بجيبه سكينا لا يعلم بها أي فرد من الذين يشاركونه في الإعتداء ( حتى بصفة لفظية ) ...  كيف سيكون المصير ؟. طبعا 20 سنة سجنا ... ونعم المصير .
الأمنيّون  فوق القانون ؟؟؟
وبالإضافة إلى تجريم الإعتداء بمختلف أشكاله على  أعوان القوات المسلحة وذويهم من فروع وأصول وعلى ممتلكاتهم ووسائل نقلهم وعقوبات السجن  والغرامات التي تنتظر " المجرمين "  فإن الغرابة القصوى تكمن في ما جاء في الفصل الثامن عشر الذي يخلي ذمّة أعوان القوات المسلحة من أية مسؤولية جزائية في صورة إلحاق الضرر بشخص " اعتدى عليهم " أو على مقراتهم  وفهم من تحركاته أنه هاجمهم  أو قتلوه أصلا بدعوى أن العون كان " يدفع عنه أو عن مقره واحدا من تلك الإعتداءات " .فهل يعني هذا أن هناك من يريد أن يكون الأمنيون فوق القانون ؟.
ضرب للحريات جميعها 
ما إن صادقت عليه الحكومة وأحالته إلى مجلس نواب الشعب حتى أثار مشروع القانون هذا موجة من الجدل الواسع ومن الإنتقادات اللاذعة  التي تعيب على المشروع نزوعه نحو التجريم المفرط  والرغبة المفرطة في العقاب والزجر حتى إن كانت بعض الجرائم لا تستحق العقاب المقترح .  كما يعاب على المشروع رغبته في تقييد الحريات  وحرية الإعلام والتعبير بما يتناقض تماما مع روح الدستور التي تدرك الحكومة صاحبة المشروع أنه تمت المصادقة عليه  خاليا من هذه العقوبات . صحيح أن كل اعتداء على القوات المسلحة بمختلف فروعها  غير مقبول ويجب أن يجرّم لكن لا يعني هذا أن نطلق أيدي القوات المسلحة تفعل ما تريد دون رقيب أو حسيب . ولا يعني هذا أيضا أننا سنعود إلى  مربّع القمع والتعتيم  والتضييق والزجر . ولهذه الأسباب طالبت أطراف عديدة من مجلس نواب  الشعب  أن ترفضه أو أن تطلب تعديله بصفة كبيرة على الأقل  بينما طالبت النقابة الوطنية للصحافيين التونسيين في بيان لها صدر منذ حين الحكومة بسحب المشروع أصلا وفورا . 
جمال المالكي
 

التعليقات

علِّق