ماكياج الحرب : فخاخ اللغة...

ماكياج الحرب : فخاخ اللغة...

دعنا نخلع "بزّة الحرب" اللغوية التي يرتديها الجميع الآن، ونقوم بعملية "تفكيك " لهذه المصطلحات التي تُلقى فوق رؤوسنا كالقنابل، لعلنا نرى ما تخفيه من وجع  حيث أننا فى حضرة وليمة لغوية تأكل الحقيقة بملاعق المصطلحات الأنيقة والمنمقة.

كيف ؟

في مأدبة الشرق الأوسط الصاخبة، لا تُقدم الحقيقة "طبقاً بارداً"، بل تُطهى ببهارات "البروباغندا" وتُقدم عبر شاشاتنا كوجبات سريعة الامتصاص.

إليكم كيف يتم التلاعب بالعقول عبر قاموس "الموت الأنيق":

+ "السيطرة الجوية المطلق"

في القاموس العسكري، هي التفوق لكن في قاموس "الوليمة البشرية"، هي تحويل السماء من مصدر للغيث والأمل إلى سقف من حديد يمنع التنفس. إنها ليست مجرد طائرات، بل هي "خصخصة للسماء" حيث يُمنع الحمام والطيور الزاجلة  من الطيران دون إذن مسبق، وتصبح النجوم مجرد ومضات لغارات قادمة.

+ "تدمير كامل للأسطول البحرى"

تُصاغ كأنها لعبة "شطرنج" انتهت بضربة واحدة فى حين أن التفكيك الحقيقي يكشف عن آلاف الأطنان من المعدن الذي ستستقر في قاع البحر، ليتحول من سلاح سياسي إلى ملوث بيئي يقتل السمك الذي لا ناقة له ولا جمل في عدوان متوحش. هي عبارة تهدف لمنح الشعور بـ "الحسم الزائف" بينما الجروح تظل مفتوحة، تنزف الى ما لا نهاية.

+ "الشظايا" بدلاً من "الصواريخ العنقودية"

هنا تكمن "خفة اليد" اللغوية. تسمية الصواريخ العنقودية وما تحتويه من قنابل الى "شظايا" هو محاولة للتخفيف من حجم الاضرار والقوة التدميرية التى سببتها هذه المقذوفات من خلال تحويلها  الى شظية ، مجرد حدث عارض، كزجاج مكسور، بينما الحقيقة هي "مطر من الفولاذ" صُمم ليبقى لسنوات تحت التراب...

+ "الصواريخ سقطت مناطق مفتوحة"

يبدو أننا اكتشفنا بُعداً خامساً في خرائطنا ! في بلد يتسم  بكثافة ديمغرافية عالية فى منطقة الشرق الأوسط حيث إذا عطس فيه أحدهم في الشمال يسمعه سكان الجنوب لشدة التلاصق، تخرج علينا البيانات لتقول "مناطق مفتوحة".. غالباً الصاروخ سقط في الخيال الواسع لمن كتب البيان.

+ "تدمير القدرات الصاروخية " (لعبة الأرقام المفضوحة) 

على شبكات التواصل والفضائيات، تتحول الصواريخ إلى "أعواد ثقاب" يُعلن إحراقها بالجملة، فالتلاعب بالأرقام هنا ليس إحصاءً، بل هو "نحت للانتصار" في خيال المتابع. 

يُقال "دمرنا 90%"، والرقم "90" هنا ليس عدداً، بل هو "مخدر موضعي" للجمهور لكي ينام مطمئناً".

+ "الضربات الجراحية"

مصطلح يجعلك تشعر أن الحرب تجري في "غرفة عمليات" معقمة، لكن في الحقيقة، لا يوجد مشرط جراحي يزن أطنان من المتفجرات. هذا المصطلح هو أكبر كذبة "خيرية" لتبرير الموت الجانبي، وكأن الضحايا مجرد "أعراض جانبية" لعملية شفاء لا تأتي أبداً.

الخ.

خلاصة القول،  إنهم لا يقاتلون بالقنابل فقط، بل بـ "المجاز"، وحين تفكك مصطلحاتهم، تكتشف أن "الوليمة" الحقيقية هي نحن، المتابعون الذين نلتهم أخبار الموت بشهية فُتحت بكلمات منمقة.

نصيحتى أخيرة، حين تسمع مصطلحاً عسكرياً "لامعاً" على تويتر أو التلفاز، حاول أن تتخيل رائحة البارود وخوف العصافير.. هناك فقط ستفهم المعنى الحقيقي للكلمة.

 

* محجوب لطفى بلهادى متخصّص فى التفكير الاستراتيجى

التعليقات

علِّق