قطاع صناعة مكونات السيارات: قاطرة الصناعة في تونس و الجمعية التونسية لصناعة مكونات السيارات رئتيه (صور وفيديو)

قطاع صناعة مكونات السيارات: قاطرة الصناعة في تونس و الجمعية التونسية لصناعة مكونات السيارات رئتيه (صور وفيديو)

 

 فتحي التليلي

           

يُعدّ قطاع صناعة مكوّنات السيارات أحد الركائز الأساسية للنسيج الصناعي التونسي، وأحد أكثر القطاعات اندماجًا في الأسواق العالمية، خاصة الأوروبية. ومنذ سبعينيات القرن الماضي، شهد القطاع مسارًا تصاعديًا، مدفوعًا بخيارات صناعية ركّزت على تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر فضلا عن المحلّي، وتطوير الصناعات الميكانيكية والكهربائية، وتعزيز التصدير.

ومع مرور الزمن، تحوّل القطاع إلى قاطرة حقيقية للنمو الصناعي الوطني، من حيث حجم الاستثمارات، وقيمة الصادرات، ومواكبته لخلق فرص عمل ذات كفاءة تقنية عالية. وقد أصبح هذا القطاع حلقة رئيسية في استراتيجيات الدولة لتعزيز تنافسية الصناعة الوطنية، وضمان اندماجها في الأسواق العالمية، مع التركيز على تطوير التكنولوجيا المحلية ومواكبة التحولات الدولية في صناعة السيارات، بما في ذلك السيارات الكهربائية والهجينة.كما يتميز القطاع بمنظومة متكاملة تشمل المصنعين، والمزوّدين والمؤطرين

المسار التاريخي لصناعة مكونات السيارات في تونس

 

سبعينيات القرن الماضي: التأسيس وبدايات التصدير

تعود اللبنات الأولى للقطاع إلى أواخر الستينيات وبداية السبعينيات، في سياق سعي الدولة إلى تنويع القاعدة الصناعية. فكان قانون المؤسسات المصدّرة لسنة 1972 (القانون 72/1972) نقطة انطلاق حاسمة، إذ وفّر امتيازات جبائية ومالية ولوجستية شجّعت شركات أوروبية على إنشاء وحدات إنتاج في تونس. وقد ركزت هذه الوحدات أساسًا على تجميع شبكات الأسلاك الكهربائية والمكوّنات البسيطة الموجّهة للتصدير، مع اعتماد كبير على اليد العاملة، ما ساهم في تكوين نواة أولى من الكفاءات التقنية المحلية.

التسعينيات: الانتقال إلى التصنيع المتخصّص والاندماج الأوروبي

شهدت التسعينيات تحوّلًا نوعيًا في مسار القطاع، تزامنًا مع انفتاح الاقتصاد التونسي ودخول اتفاق الشراكة مع الاتحاد الأوروبي حيز التنفيذ سنة 1998.و توسع حضور الشركات العالمية، خاصة الألمانية، وانتقل النشاط من العمليات اليدوية إلى تصنيع مكوّنات ذات قيمة مضافة أعلى في مجالات الميكانيك الدقيقة والكهرباء الصناعية والإلكترونيات.

وقد لعبت سياسات دعم التكوين المهني والهندسي، وتطوير المناطق الصناعية، دورًا محوريًا في رفع جودة الإنتاج، بما يعكس الالتزام بالمعايير الأوروبية الصارمة. هذه المرحلة رسّخت موقع تونس كمزوّد موثوق ضمن سلاسل القيمة العالمية، ومهدت الطريق لتحوّل القطاع نحو الصناعات المتقدمة.

ما بعد 2011: الصمود والتحوّل نحو الصناعات المستقبلية

رغم التحديات السياسية والاقتصادية، أظهر القطاع قدرة ملحوظة على الصمود والحفاظ على جاذبيته الاستثمارية. وشهدت هذه الفترة توسّعًا في الاستثمارات القائمة ودخول مشاريع جديدة، مدفوعة بثقة الشركات العالمية في الكفاءات التونسية واستمرارية النسق التصديري.

وفي العقد الأخير، اتجه القطاع نحو مواكبة التحوّلات العالمية في صناعة السيارات، من خلال تطوير مكوّنات السيارات الكهربائية والهجينة، والأنظمة الإلكترونية الذكية، والالتزام بمعايير الاستدامة والحد من البصمة الكربونية.

 يعكس هذا التحوّل الانتقال من منطق المناولة إلى التصنيع المتقدّم والتموقع التكنولوجي، مع تعزيز دوره كأحد أعمدة الصناعة التونسية في الحاضر وآفاقها المستقبلية.

المنظومة الصناعية ودور الجمعية التونسية لمصنّعي مكوّنات السيارات

 

سرّ نجاح  قطاع مكوّنات السيارات في تونس هو تميزه بدرجة عالية من التنظيم والتخصّص، إذ يشمل منظومة متكاملة تجمع بين المصنعين، والمزوّدين، ومراكز التكوين والبحث، والإطار القانوني والمؤسسات الداعمة. هذا التنسيق يجعل من القطاع شبكة متكاملة قادرة ربحت رهان مواجهة تحديات السوق العالمية، وضمان جودة الإنتاج والابتكار المستمر.

في قلب هذه المنظومة، تضطلع الجمعية التونسية لمصنّعي مكوّنات السيارات (TAA) بدور محوري، يتمثل في:

التنسيق بين الفاعلين في القطاع وسلطة الاشراف و ضمان توافق النشاط الصناعي مع المعايير الدولية.

-تمثيل القطاع لدى السلطات العمومية والشركاء الدوليين، بما يسهّل استقطاب الاستثمارات وتوسيع أسواق التصدير.

-مواكبة التحوّلات التكنولوجية والمعيارية، بما يشمل التحوّل نحو السيارات الكهربائية والهجينة، وضغوط سلاسل التوريد العالمية.

كما تساهم الجمعية أيضًا في دعم الحوكمة القطاعية وتعزيز التواصل مع الصناعيين و المستثمرين. فقد نظمت مؤخرًا دورة تدريبية لفائدة مجموعة من الصحفيين من مختلف وسائل الإعلام، بالتعاون مع وزارة الصناعة وبدعم من الوكالة الألمانية للتعاون الدولي (GIZ)، لتعميق فهم الإعلاميين لدور القطاع في الاقتصاد الوطني، ورصد التحديات والفرص المستقبلية.

هذه المنظومة تسهم في تعزيز تنافسية الشركات التونسية في الأسواق العالمية، ورفع قيمة المكوّنات المصنعة محليًا، بما يضمن استدامة القطاع وقدرته على مواكبة التحولات الصناعية، كما يعكس الثقة المتراكمة للشركات العالمية في الكفاءات الوطنية.

فيديو ملخص.اضغط للمشاهدة

أرقام وإحصاءات واعدة

تونس تحتل المرتبة الثانية في أفريقيا بعد المغرب في صناعة مكوّنات السيارات، ومرسّخة مكانتها كمزوّد أساسي لعدد من كبرى شركات تصنيع السيارات الأوروبية، الوجهة الرئيسة للصادرات التونسية.

ووفق بيانات وزارة الصناعة التونسية:

تضم منظومة صناعة مكوّنات السيارات نحو 300 مؤسسة صناعية نحو 70% منها مصدّرة كليًا، مع طموح لإضافة 30 ألف موطن شغل إضافي بحلول 2027.

 .وتوفر هذه المؤسسات حوالي 120 ألف موطن شغل، موزعة على ولايات عدة منها بن عروس، سوسة، نابل وبنزرت.

كما تبلغ قيمة الإنتاج السنوي نحو 10 مليارات دينار تونسي، فيما تجاوزت قيمة الصادرات 9 مليارات دينار (حوالي 3.9 مليار أورو)، مسهمة بحوالي 4% من الناتج الداخلي الخام.

أما بالنسبة للأسواق فهي منفتحة ومتجددة وأهمها :

-ألمانيا تمثل نحو 37% من الصادرات.

-فرنسا 21%.

-رومانيا 12%.

-إيطاليا 11%.

-بولونيا 5%.

ويشير الخبراء إلى أن جودة المكونات التونسية أصبحت علامة فارقة داخل كبرى العلامات العالمية، مثل مجموعة فولكس فاغن، وتشمل المنتجات كافة المكوّنات من شبكات الأسلاك والمكونات الإلكترونية، إلى المقاعد والأجزاء البلاستيكية ولوحات القيادة والقطع الميكانيكية، مع توسع واضح نحو تصنيع مكوّنات السيارات الكهربائية والهجينة.

 

مراكمة الخبرة ورأس المال البشري

يعتبر مراكمة الخبرة الصناعية من أبرز عوامل نجاح تونس في صناعة مكوّنات السيارات، حيث يشير الخبير في قطاع ميكانيك السيارات، غازي بن صربة، إلى أن النجاح التونسي ليس وليد السنوات الأخيرة، بل نتيجة مسار تاريخي متراكم لأكثر من ثلاثة عقود.

ويضيف بن صربة أن نهاية التسعينيات مثلت مرحلة مفصلية بدخول شركات عالمية كبرى، لم تقتصر استثماراتها على الإنتاج فحسب، بل ساهمت في نقل التكنولوجيا وتطوير المهارات، ما رفع جودة المكوّنات المصنعة محليًا.

ويظل رأس المال البشري العامل الحاسم في هذا النجاح حيث يتخرّج من الجامعات التونسية سنويًا نحو 30 ألف مهندس، عدد هام منهم مختصون في الهندسية الدقيقة المطلوبة لصناعة مكوّنات السيارات.

وتساهم هذه الكفاءات في قدرة تونس على منافسة الدول الصناعية الكبرى، وتؤكد قدرة القطاع على الابتكار، واستقطاب استثمارات جديدة، وتوسيع قاعدة الإنتاج، بما يعزز مكانة تونس كمزوّد موثوق للمكوّنات عالية الجودة في الأسواق الأوروبية والعالمية.

عوامل التفوق والريادة

يرى الخبير سليم حكيم أن نجاح تونس في التحول إلى ثاني قوة أفريقية في صناعة مكوّنات السيارات يعود إلى تضافر عدة عوامل إستراتيجية منها:

-جودة الكفاءات البشرية حيث كما قلنا تملك تونس قاعدة كبيرة من المهندسين والتقنيين المتخصصين في الكهرباء الصناعية، والميكاترونيك، والإلكترونيات، وهي مجالات تشكل العمود الفقري لصناعة المكوّنات الدقيقة للسيارات.

-الاندماج المبكر في  السوق العالمية: من خلال تصنيع مكوّنات دقيقة وعالية الجودة، مما مكن الشركات التونسية من دخول السوق الأوروبية بسرعة.

-الموقع الجغرافي المتميز: قرب تونس من أوروبا سهّل الاندماج في منظومات التوريد العالمية، ويستجيب لمتطلبات الإنتاج في الوقت المحدد (Just-in-Time) مع مرونة لوجستية عالية.

-الإطار التشريعي والحوافز الاستثمارية اذ توفر الدولة امتيازات جبائية ولوجستية جذبت الشركات العالمية، إضافة إلى تطور البنية التحتية الصناعية والمناطق المخصصة للصناعات المصدرة.

-التحوّل نحو تكنولوجيا السيارات الكهربائية والهجينة وهو ما يعكس استباق تونس للاتجاهات العالمية ويعزز تنافسيتها في سوق يشهد تحولات متسارعة.

من جهتها، تؤكد رئيسة الجمعية التونسية لصناعة مكونات السيارات مريم اللومي أن القطاع يمثل أحد محركات الاقتصاد التونسي لما يوفره من قيمة مضافة عالية وقدرة على دفع الاستثمار والتشغيل والتصدير في آن واحد.

مشيرة الى أن ثلثي الاستثمارات الأخيرة ارتبط بتوسعة مشاريع قائمة، ما يعكس ثقة الشركات المنتصبة في استقرار المنظومة الصناعية.

أما المشاريع الجديدة كليًا فقد ساهمت في تعزيز موقع تونس كمزوّد أساسي للمكوّنات الموجهة للتصدير، خصوصًا نحو السوق الأوروبية.

و هذه العوامل مجتمعة تجعل من تونس قوة صناعية صاعدة في صناعة مكوّنات السيارات، مع قدرة متزايدة على مواكبة التحولات العالمية وتثبيت مكانتها في الأسواق الدولية.

آفاق القطاع والمشاريع الكبرى

 

تسعى تونس إلى تعزيز مساهمة قطاع صناعة مكوّنات السيارات في الناتج الداخلي الإجمالي، حيث تستهدف زيادة مساهمته إلى نحو 20% بحلول عام 2035، مع مضاعفة قيمة الصادرات لتصل إلى نحو 36 مليار دينار، مواكبةً للتوسع في الأسواق الدولية وارتفاع الطلب على المكوّنات المتقدمة.

و من بين المشاريع الكبرى المبرمجة في القطاع:

-المدينة الذكية لصناعة السيارات (SMART Automotive City) على مساحة 300 هكتار، والتي تضم وحدات صناعية متطورة، مخابر للبحث والتطوير، مراكز تكوين، ومساحات مخصصة للتكنولوجيا الحديثة.

ومن المتوقع أن يسهم هذا المشروع في إحداث نحو 150 ألف موطن شغل على المدى المتوسط والبعيد، ودعم الابتكار المحلي وتوطين التكنولوجيا الحديثة.

سيارة تونسية خالصة

قطاع صناعة مكوّنات السيارات في تونس لم يعد مجرد صناعة، بل أصبح محركًا استراتيجيًا للاقتصاد الوطني وواجهة للتنافسية العالمية. فقد نجحت تونس في تحويل الخبرة المتراكمة والكفاءات الهندسية العالية إلى قوة صناعية مؤثرة، قادرة على تلبية المعايير الأوروبية والدولية، مع الحفاظ على الريادة الإقليمية كثاني دولة افريقية .

إن منظومة القطاع المتكاملة، من الشركات والمزوّدين ومراكز البحث والتكوين والجمعية التونسية لمصنّعي مكوّنات السيارات، تعكس رؤية متقدمة للاستثمار والابتكار، مع التوجه نحو السيارات الكهربائية والهجينة، وهو ما يؤكد قدرة تونس على مواكبة التحولات العالمية وتحويل التحديات إلى فرص جديدة.

تبرهن تونس أن النجاح الصناعي ليس صدفة، بل نتاج استراتيجية تراكمية واعية، تجمع بين التكنولوجيا و رأس المال البشري، والموقع الجغرافي المتميز.

في النهاية، يظل قطاع مكوّنات السيارات رمزًا لتفوق تونس الصناعي وقدرتها على المنافسة في قلب الاقتصاد العالمي، محققًا توازنًا بين التنمية المحلية والانخراط في السوق الدولية.

و المخطط هو رفع نسبة 42 بالمائة من مكونات السيارات التي تصنع في تونس إلى 50بالمائة في المدلى القريب و الى 100بالمائة على المدى المتوسط و البعيد .لتكون سيارة تونسية خالصة.

 

التعليقات

علِّق