قتيل البنك الوطني الفلاحي.. الأسئلة المُحَيِّرة وفضاعات النخب

الحصري - مقال رأي
بقلم : شكري بن عيسى
وصلت الى موقع الحادثة الأليمة لاستجلاء الخبر في حدود الساعة الواحدة و25 دقيقة، كان المرحوم حينها قد لفظ انفاسه منذ قرابة الربع ساعة. الحقيقة ان الحماية المدنية كانت حاضرة ولكن موت ع. ن. (عربي النابلي) كان اسرع والقدر كان محتوما، ومن كان حاضرا اكد ان القتيل مات بالوقت بمجرد ارتاطمه بالأرض ان لم يكن قبلها. المشهد فعلا كان مهيبا، والتجمع كان حاشدا، والالم تقاسمه الكبير والصغير والمرأة والرجل، فالسقوط كان من الطابق الخامس حيث لاحت لكل من رفع راسه النافذة المفتوحة التي سقط منها موظف البنك الوطني الفلاحي. اما على الارض فكان القتيل مرميا مغطى برداء ساتر واحد احذيته مرمي وبعضا من الدم مسكوب واحد ابواب السيارة التي ارتطم بها مكسور النافذة.
الحرقة والبكاء تقاسمهما الكثير، والكل كان يستحضر بخشوع وحسرة معاني الموت، ولكن في نفس الوقت يحلل الاسباب والمسببات التي غابت عن الجميع، ولو ان الراي السائد بالقاء القتيل لنفسه انتحارا تحفظ عليه البعض الذين كنت منهم لا لشيء الا لأن الحقيقة لم تظهر كاملة ولا احد قدم خبرا يقينا في الشأن.
والواقع ان الموت خلال اسبوع لاحق ثلاثة موظيفين بطرق مختلفة، انيس العزيزي من ادارة الملكية العقارية بطعنات بـ"تورنيفيس"، وصلاح الدين السوداني من "الستاغ" اثر سقوطه من عمود كهربائي، واليوم عربي النابلي من البنك الوطني الفلاحي. لكن الجامع بينهم هو الموت الفوري اثر الحادث، وايضا التعتيم المخيم على الحادثة.
كان لا بد من انتظار ساعة وربع الساعة على الحادث المريع لوصول وكيل الجمهورية لمعاينة الواقعة، ورفع الادلة، وهو ما يثير جملة من نقاط الاستفهام حول التأخير الكبير وما يمكن ان ينتج عنه من اتلاف ادلة الحادثة، وهو ما جعل تجمع المارة الحاضرين يرتفع الى المئات ويغلقون بذلك الطريق في تعاطف مع عائلة المغفور له (اخته وزوجته)، واستحضار لمعاني الفراق في مشهد خاشع مهيب، لم يمنع الكثير من طرح الاسئلة الحارقة حول حقيقة الفاجعة التي ادهشت الجميع.
الفرق الفنية لوزارة الداخلية بكل الوانها وصلت تباعا، ولكن ما عمق الاستغراب هو استمرار نفس الممارسات السابقة، وعدم تسجيل ايّ تغير، ما يزيد في الحيرة حول كفاءة اعوان الداخلية وحول وجود منهج جديد في التعامل مع المواطن الذي يبدو انه لا يزال ينظر له عند الكثيرين من الاعوان في موقع "المنبوذ"، ولا ادل على ذلك هو نزول احد الاعوان من على دراجته بالفاظ مشينة من قبيل "هيا سيبونا"، واخرى لا يمكن ذكرها، ولم تأت الفرقة المختصة التي قامت بوضع سياج عازل للمكان الا بعد ساعة وعشرة دقائق..
الحادثة اليمة فعلا، والكل ان حرص على البقاء فمن باب التضامن الإنساني العميق ومن باب اشباع الفضول ايضا. والحقيقة انه كان لزاما استحضار ظاهرة تصاعد عمليات القتل والموت والالقاء بالنفس الى الموت (حتى لا نقول الانتحار)، والغور في اسبابها ولو سريعا. قرابة 1500 هو عدد قتلى حوادث المرور السنوي ، المئات هو عدد قتلى الحوادث الاجرامية والالقاء بالنفس الى الهاوية، ولئن كان البعض منها اجراميا فان البعض الآخر (حوادث المرور) هو بسبب الاستهتار بالارواح وبسبب الاستهتار ايضا بالقوانين ولو ان البعض منها هو بسبب حالة الطرقات الكارثية.
الاشكال الأكبر اليوم هو المتعلق بحوادث الالقاء بالنفس الى الموت عبر الحرق او الالقاء من سطح عالي او غيرها، والاكيد ان الامر فيه "عدوى" تنتقل بسبب اهتمام وسائل الاعلام المبالغ والاثاري والتركيز على الجوانب السلبية دون معالجة علمية سوسيولوجية عميقة.
مسؤولية وسائل الاعلام لا يمكن ان تخفي مسؤولية المجتمع وخاصة "النخب" المختلفة، التي ساهمت مباشرة بتأزيم الواقع وتعسير الحياة وخلق الاحباط والانهيار النفسي الذي يدفع الى الموت، وخاصة النخب السياسية التي سممت الحياة السياسية بتناحرها اليومي وايضا النخب الثقافية والعلمية بمساهمتها السلبية اما بشيطنة الواقع او عدم مساهمتها في دراسة الظواهر وتقدم المجتمع لايجاد الحلول والبدائل وصنع الحلم وإنتاج الامل.
الواقع لا شك يدفع نحو الاحباط خصوصا وان اهداف الثورة تم تهميشها في اغلبها، وهو الباب الذي كان ينتظر منه المحبطون بعضا من الامل، ولأن الاوضاع الاقتصادية والاجتماعية تتأزم، من استمرار الفساد والمحسوبية، وصولا الى ضغوط الحياة اليومية من ارتفاع الاسعار وتدهور المقدرة الشرائية وثقل الديون الاسرية والاكتضاض والنقل وحتى الاوساخ المتراكمة ونقص الامن، في مقابل انتشار واقع "الغنيمة" خاصة من السياسيين ورموز الفساد المالي.
الواقع فعلا يبعث على الاحباط ولكن ما عمق الكارثة هو الاعلام الذي المتفنن في نشر السوداوية وتوظيف الاحداث سياسيا وايديولوجيا ولفائدة لوبيات المال والفساد وحتى لفائدة اجندات دولية، وسياسة الانتقاء والتعتيم، والتضليل والدوس على الحقائق، التي زادت في الاحباط الى حدود لم يتحملها الكثيرون بحكم هشاشة بنيتهم الاجتماعية والفكرية والنفسية.
الصراع بين الحق والباطل والخير والشر قديم، متواصل، ونحن شعب متمسك بالحياة، ومصر على حقوقه، وان عمل اهل الشر على نشر اليأس والقنوط، والى كسر ارادة الشعب، فالحل لا يمكن ان يكون هو الهروب والانسحاق وانما في المواجهة.. ومُلْهِمُنَا الشابي قاوم المستعمر والمرض وقساوة الحياة بحب الحياة.. وهو من اطلق قولته الخالدة "اذا الشعب يوما اراد الحياة..".
التعليقات
علِّق