في ظل عدم وجود أي مسلخ مؤهّل وصمت السلطة : هل تشجّع الدولة على نشر الأمراض والكوارث في صفوف شعبها ؟

خلال ندوة صحفية عقدت مؤخّرا للإجابة خاصة عن سؤال طرح وتكرر في برنامج " ما لم يقل " على قناة الحوار التونسي : " ماذا يخفي البياطرة ليمنعونا من التصوير في المسالخ " أعلنت عمادة البياطرة خبرا لا يقلّ عن الصاعقة وقعا إذ أكّدت وبكل ثقة وإصرار أنه لا يوجد في تونس مسلخ واحد وحيد مؤهّل . وأكثر من هذا أكّد البياطرة أن " الطابع الأخضر " الذي طالما توهّمنا أنه دليل جودة وصحّة واطمئنان ودليل على أن اللحم مراقب ولا يحمل أي خطر صحّي ليس في النهاية سوى وهم كبير وإن أطرافا عديدة تستعمله وأهمّها البلدية ولا يمكن أن نعتبره في كافة الأحوال دليل صحة وسلامة وأخطر من هذا أنه طابع إداري وليس طابع " الإطمئنان " مثلما يظن المواطن .
وعندما نتحدث عن مسلخ مؤهل فإننا نعني أنه يستجيب إلى جملة من الشروط والمعايير في السلامة والنظافة والصحة وغير ذلك من الشروط التي يفترض أن تتوفر في أي مسلخ في العالم تخرج منه لحوم للاستهلاك الآدمي . أما أن يقال لنا إنه لا يوجد في البلاد أي مسلخ مؤهل فهذا يعني أن قطاع اللحوم الحمراء في تونس لا يخضع إلى أية مقاييس أو معايير وأن أي مسلخ في أي مكان يمكن أن تحدث فيه " بلاوي زرقاء " يتم غض الطرف عنها ثم تنقل إلى المستهلك الذي يذهب في ظنه عادة أن الدولة تحميه وتمنع عنه الغشّ والأمراض والمصائب التي تخرج من المسالخ . ولسنا في حاجة إلى فلسفة كبرى لنستخلص من تأكيد البياطرة أن الدولة لا تحمينا ولا هم يحزنون وأن هذا القطاع يمثّل غابة استوائية ترتع فيها الوحوش الجشعة مثلما تريد ولا أحد يراقب ولا أحد يحاسب . وإذا علمنا بأن أغلب المسالخ في البلاد هي من حيث المبدأ تحت رقابة البلديات أي تحت رقابة الدولة وأن المصائب الكبرى تخرج من هذه المسالخ بالذات حقّ لنا أن نتساءل : هل الدولة معنا أم ضدنا ؟ وبمعنى آخر هل تعلم الدولة بكل ما يحدث ولا تحرّك ساكنا ؟. وإذا كانت تعلم ولا تحرّك ساكنا أليس ذلك من قبيل التواطؤ مع كافة الخارجين عن القانون وقد اتضح ( حسب عمادة البياطرة ) أن جميعهم خارج عن القانون ؟.
ولعل ما يزيد أمورنا غرابة هذا الصمت الغريب من قبل أجهزة الدولة التي يعود إليها الإشراف على هذه المسالخ . ففي خضم هذه الكارثة المعلنة لم نسمع عن إجراءات حازمة اتخذت هنا أو هناك ما عدا بعض القرارات التي لا تخرج عن دائرة ذرّ الرماد على العيون أو عن دائرة عجز الدولة عن اتخاذ أي قرار ضد الحيتان التي تتحكّم في ميدان اللحوم والمسالخ . وفي هذا الإطار لم نسمع سوى القليل النادر على غرار ما قام به والي المهدية الذي أعلن عن غلق كافة المسالخ البلدية بالجهة التي لا يتوفر فيها الحد الأدنى من شروط الصحة ولعله أضاف قرارا جديدا واحدا مستوحى من مأساة سوسة وهو إزالة المسالخ البلدية الآيلة للسقوط.
وفي ظل هذه الفوضى العارمة العامة وهذا التسيب العام نعيد طرح السؤال مرّة أخرى : إذا كان البياطرة أطلقوا صيحة الفزع عاليا وقالوا إنه لا يوجد أي مسلخ مؤهّل في هذه البلاد فما موقف حكّام هذه البلاد وهل سيقفون بحزم هذه المرّة لإيقاف المهزلة أم سيتركون كعادتهم الحبل على الغارب طالما أن " الضرب ليس في أجنابهم " ؟.
جمال المالكي
التعليقات
علِّق