شفافية الميزانية: تونس تتراجع إلى المرتبة 104 عالمياً، مما يعيق الرقابة المواطنية ويقوض شرعية الضريبة

رغم أحكام القانون الأساسي للميزانية لسنة 2019، شهدت تونس في سنة 2023 تراجعاً حاداً في مستوى شفافية الميزانية، حيث احتلت المرتبة 104 من بين 125 دولة وفقاً لـ "مؤشر الميزانية المفتوحة".
ويعكس هذا التراجع ضعف نفاذ العموم إلى المعلومات المالية وانغلاق عملية اتخاذ القرار. ورغم أن الفصل الثامن من القانون الأساسي للميزانية يعرّف الشفافية، إلا أنها تظل إجرائية وتقنية بالأساس، دون ضمان فهم حقيقي للمعلومات من قبل المواطنين.
من ناحية أخرى، تظل عملية إعداد قانون المالية مركزية بامتياز وفي يد وزارة المالية حصراً؛ إذ تبدأ العملية بمنشور من رئيس الحكومة يتم إعداده دون استشارة عمومية أو نقاش برلماني مسبق. وبمجرد صدوره، ينطبق هذا المنشور على جميع الوزارات، مما يحد من هوامش التشاور منذ المراحل الأولى للإعداد.
هذا ما لاحظه كل من سفيان بن عبيد، وإسكندر السلامي، ودرصاف والي في "ورقة سياسات" (Policy Brief) أعدت لفائدة الجمعية التونسية للحوكمة الجبائية (ATGF) في أكتوبر 2025، ضمن مشروع «سواريكو تونس». وتؤكد الوثيقة أن المجلس الوطني للجباية يظل مغيباً وتغلب عليه التركيبة الإدارية، مع إقصاء ممثلي المجتمع المدني. أما اجتماعاته، فتقتصر على تقديم شفوي، مما يمنع أي مساهمة فعلية في محتوى النص الميزاني.
كما أشار المصدر ذاته إلى اعتماد إجراءات جبائية مثيرة للجدل دون تقييم مسبق للأثر؛ ومن بينها إثقال كاهل الضريبة على الدخل في سياق تضخمي، مما زاد من الضغط على الطبقة المتوسطة، بالإضافة إلى الترفيع في نسب الضريبة على الشركات وتوسيع الأداء على القيمة المضافة ليشمل بعض الأدوية.
وتكشف الوثيقة أيضاً عن حالة "نقص في تنفيذ الميزانية" بشكل متكرر، وفقاً لتقارير محكمة المحاسبات. وتطرح هذه الوضعية تساؤلاً جوهرياً حول مبررات الضغط الجبائي: فعندما لا تُستغل الاعتمادات المصوت عليها بالكامل، تصبح مشروعية جهود التحصيل محل تساؤل.
وفي سياق متصل، تم استعراض نقص الموارد البشرية والمادية الذي يشل الهياكل البرلمانية، وخاصة لجنة المالية بمجلس نواب الشعب، التي تفتقر إلى الخبرة التقنية المستقلة والمعطيات الميزانية المفصلة. فعلى سبيل المثال، لا يغطي الملحق الخاص بصناديق الخزينة سوى عشرة صناديق فقط من أصل أكثر من 300 صندوق موجودة فعلياً.
أخيراً، تعاني مرحلة التنفيذ من تعتيم مستمر؛ إذ لم يتم تحديث منصة البيانات المفتوحة منذ سنة 2017. كما أن العديد من الإجراءات المصوت عليها، مثل الفاتورة الإلكترونية أو جباية السيارات الكهربائية، تُطبق جزئياً أو يتم تأجيلها دون تقديم مبررات علنية.
ولمعالجة هذه الوضعية، وضعت الجمعية التونسية للحوكمة الجبائية (ATGF) جملة من التوصيات الاستراتيجية:
- إعادة تعريف الشفافية: لتشمل صراحة المشاركة المواطنية وتيسير النفاذ إلى المعلومة.
- تعزيز دور البرلمان: عبر إنشاء لجنة دائمة لمتابعة تنفيذ الميزانية وضمان نفاذ النواب الكامل للبيانات عبر بوابة مؤمنة.
- مأسسة تقييم الأثر: جعل دراسات الأثر إجبارية لكل إجراء جبائي جديد عبر هيكل مستقل.
- تحسين المساءلة: نشر تقارير سنوية توضح الفوارق بين التوقعات والإنجازات، وإعادة تفعيل البوابة الوطنية للبيانات المفتوحة.
- إصلاح المجلس الوطني للجباية: إدماج المجتمع المدني ونشر آراء معللة لتشجيع النقاش العام.
- تعزيز المشاركة المواطنية: تنظيم استشارات عمومية وإنشاء منصة تشاركية رقمية.
- ضمان الشفافية البرلمانية: وضع بوابة مؤمنة تمكن البرلمانيين من الوصول إلى كافة المعطيات الميزانية المحينة.
س.ڨ
التعليقات
علِّق