خلق الثروة في تونس: هذه هي بالتأكيد عوامل النجاح

إن خلق الثروة يتوقف على جملة من العناصر الأساسية التي لابد من الانكباب على تحقيقها. أولها أن نعي أن خلق الثورة بطريقة مدمجة لكافة الشرائح المجتمعية والمناطق يأتي في صدارة الأولويات وأن لا شيء يعلو فوق ذلك. وهو أمر قد يبدو بديهيا و لعله لا يجوز حسب البعض حتى ذكره لأنه من المسلمات. وهذا يمثل خطأ لأنه يجب دوما التأكيد و التنصيص على هذا الأمر لأنه يتطلب في جانب تغيير الذهنيات و السلوكات.
أتت الأسابيع الأخيرة الماضية بأخبار غير سارة بالمرة في خصوص مسيرة الاقتصاد الوطني. و يتعلق الأمر بالخصوص بنسبة النمو التي جاءت حسب ما أورده المعهد الأعلى للإحصاء في حدود 3.9 في المائة خلال التسعة أشهر الأولى لسنة 2021 بحساب الانزلاق السنوي (أي مقارنة بنفس فترة السنة الماضي) بعد الانكماش الحاد الذي عرفته هذه النسبة و التي كانت سلبية (8.8- %) خلال 2020 السنة التي عرفت استفحال وباء كورونا. علما أن التقديرات تقول أن النسبة ذاتها لن تتجاوزال4 في المائة خلال السنة الحالية " بفرضية أن الناتج الداخلي الخام في الثلاثي الرابع يظل ثابتا في مستواه المسجل في الفترة الماضية". كما يتعلق الأمر بنسبة إلى البطالة التي قفزت خلال الثلاثي الثالث للسنة الحالية إلى 18.4 %. وهما رقمان يبرزان بجلاء أن البلاد لم تتعاف ومازالت تعاني صعوبات اقتصادية حادة.
وقد يحق للمرء في هذا السياق أن يتساءل كيف لم تتحرك الحكومات المتعاقبة منذ سنة 2011 في اتجاه اعتماد سياسة مبنية على خلق الثروة أولا. إذ أن هذا هو الطريق الوحيد لتجاوز كل الصعوبات التي تعرفها البلاد. بمعنى السعي لتحقيق نسب نمو تخول للبلاد أن تخرج من مختلف المستنقعات التي تجد نفسها فيها وباستمرار. و الحال أن الجميع يدرك أن كل الحكومات المذكورة تعرف جيدا هذا الأمر و أنها تراخت شيئا ما في الشروع فيما يتوجب القيام به في خصوص هذا الملف.
أي أن تكون نسبة النمو قادرة على خلق مشاريع توفر مواطن شغل وتحدث ديناميكية تفتح أفاقا رحبة أمام الاقتصاد التونسي. و بطبيعة الحال ونقولها منذ البداية أن الأمر ليس بهذه السهولة ولكنه ليس صعبا كذلك إن وجدت العزيمة ووضعت الآليات اللازمة لتحقيق هذا الهدف.
هل أصبح النشاط الاقتصادي مجرد عملية شبه محاسبية؟
وذلك عوض بحث الدولة عن توفير موارد مالية من خلال الاقتراض من الداخل أو من الخارج وكذلك وضع قوانين وتراتيب وإجراءات جبائيه جديدة قد تقودنا في النهاية إلى ارتفاع نسبة الضغط الجبائي (نسبة المداخيل الجبائية بالرجوع إلى الناتج الداخلي الخام) الذي يأتي اليوم في حدود 24 بالمائة وقد تقودنا أيضا إلى عزوف المستثمرين عن الاستثمار فضلا عن الافراط في الاتكاء على البنوك والمؤسسات المالية الأخرى لخلاص الديون بالعملة الصعبة وإلهائها في نهاية الأمر عن مد يد المساعدة لمن يرغب في خلق الثروة. إذ أن الأموال التي توفرها البنوك والمؤسسات المالية بالمناسبة تأثر على السيولة و تقلل من إمكانية تمويل المشاريع الخاصة وخاصة المحدثة منها.
وغني عن البيان في هذا المجال أن السياسة المالية للحكومات التي تعاقبت منذ 2011 أعطت للجميع انطباعا على أن النشاط الاقتصادي أصبح اليوم مجرد عملية شبه محاسبية تتمثل في البحث عن موارد داخلية و خارجية للاستجابة إلى نفقات الدولة.
و هو منظور خاطئ تماما لأن النشاط الاقتصادي يتمثل في خلق الثروة و كل شيء يأتي بعد ذلك إن صح التعبير فخلق الثورة يمكن من تنمية الموارد الجبائية و من خلق مواطن الشغل بما في ذلك لفائدة هياكل الدولة و من الحصول على العملة الصعبة بفضل تصدير السلع و الخدمات و تحسين ظروف الاقتراض من الخارج و الداخل و إلخ. هذا فضلا عن جلب المستثمرين الأجانب وتحسين صورة البلاد لدى الأوساط المالية.
الخيارات موضوع وفاق
غير أن خلق الثروة يتوقف على جملة من العناصر الأساسية. أولها أن نعي أن خلق الثورة بطريقة مدمجة لكافة الشرائح المجتمعية والمناطق يأتي في صدارة الأولويات وأن لا شيء يعلو فوق ذلك. وهو أمر قد يبدو بديهيا و لعله لا يجوز حسب البعض حتى ذكره لأنه من المسلمات. وهذا يمثل خطأ لأنه يجب التأكيد و التنصيص على هذا الأمر دوما.
لأن كل المشاريع تنطلق أولا وبالذات من رؤية واضحة وعزيمة صادقة تضع خلق الثروة كأولوية قصوى تجند لها دوما كل الطاقات. و هي أسس تجعل المجموعة الوطنية بأكملها لا تحيد عن الخيارات التي رسمتها و التي تعمل باستمرار على تحقيقها. وبالتجربة فإن النجاح يتوقف في جانب كبير على رؤية تلازم الجميع باستمرار تجعلها تضحي من أجلها معتقدة أن لا نجاة إلا في الخيارات التي قررت اعتمادها و تصبح هذه الأخيرة بطول المدة عقيدة راسخة.
الشيء الذي يعني أنه يستحسن أن تكون هذه الخيارات موضوع وفاق وذلك بعد أن يقتنع بها جميع الفاعلين الاقتصادين والشركاء الاجتماعيين وتصبح قابلة للتنفيذ. وبالرجوع إلى الواقع التونسي فإن فكرة الحوار الوطني الذي من المفروض تنظيمه مستقبلا يشكل إطارا جيدا لترسيخ هذه القناعة الجماعية باعتماد جملة من الخيارات و التوجهات التي تؤدي إلى الوفاق. و تونس من البلدان المهيئة لذلك لأنها تحمل تجربة سنوات عديدة في ضبط مخططات التنمية. و تجدر الإشارة في هذا المجال إلى أن عديد الأطراف بما فيها حكومة نجلاء بودن رمضان التي بدأت تعمل بداية من أكتوبر الماضي تعرف ما هي الخيارات التي يتوجب اعتمادها. و هي خيارات تم الإفصاح عنها في أكثر من مناسبة مثل اعتماد اقتصاد مبني على تكنولوجيات المعلومات و على الذكاء الاصطناعي و على مصادر الطاقة المتجددة و التكوين في اختصاصات واعدة و اعتماد تكنولوجيات البيئة والرقمنة و تعصير الإدارة و تيسير الإجراءات و نظرة جديدة لدور الجهات و التماسك الاجتماعي و مكافحة الفقر إلخ.
عقد اجتماعي جديد يحدد المسؤوليات والأدوار
و تعتبر هذه التوجهات عندما يتم ضبطها في إطار تمشي منهجي تتوفر فيه جملة من الإجراءات العملية و من بينها نسق إنجاز المشاريع و من يشرف عليها و الأدوات الخاصة بها تتلازم فيه الرؤى مع برامج دقيقة و على امتداد سنوات منوالا حقيقيا للتنمية. و هو ما يتطلب أحيانا تغيير الذهنيات و السلوكات.
و يقول الأستاذ بجامعة قرطاج محمود سامي نابي في هذا المجال أن المجهود الذي سيبذل لخلق الثورة له متطلبات عدة يذكر من أهمها بناء عقد اجتماعي جديد يحدد المسؤوليات والأدوار لكل من الدولة والقطاعين العام والخاص والمجتمع المدني. وينبثق من هذا العقد استراتيجية تنموية على المدى الطويل ومخططات خماسية مترابطة وبناء اقتصاد مدمج قائم على المعرفة وموظفا للتكنولوجيات الرقمية.
و يؤكد أن لا رقي و لا تنمية في غياب التحولات التي يعتمدها العالم اليوم مثل سياسات التجديد و الابتكار التي تتطلب إصلاحا جديا للمنظومة التعليمية. و كذلك الاتجاه نحو منظومات الجودة والحوكمة الرشيدة و جعل البحث العلمي أداة قارة و ثابتة في كل مجهود تنموي مؤكدا على أنه كذلك لا تنمية و لا رقي في غياب إصلاحات هيكلية عميقة من بينها حوكمة المؤسسات العمومية وتحسين مناخ الأعمال بما في ذلك مراجعة التشريعات والقوانين المكبلة للمبادرة الخاصة وللمنافسة في الاسواق وتحديث المنظومة القضائية وتحسين الولوج للتمويل وخاصة للشركات الصغرى والمتناهية الصغر ومراجعة سياسة الدعم بما في ذلك الجانب الخاص بدعم الطاقة و تعصير الإدارة و انفتاحها المتواصل على الأساليب المستحدثة دوما في التصرف.
و في غياب عقد اجتماعي تنبثق عنه استراتيجية تنموية محددة للأهداف طويلة المدى على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي ومبينة لأدوار مختلف الأطراف المتداخلة من خلال نظم مؤسساتية حديثة شفافة ومدمجة ستتواصل الخلافات و الصراعات وستتواصل الدائرة المفرغة لنمو اقتصادي ضعيف يؤدي إلى تدهور للقدرة الشرائية تتلوها المطالبة بالترفيع في الأجور و تحسين القدرة الشرائية و لكن دون نتيجة تذكر.
بقلم: محمد قنطاره
التعليقات
علِّق