بيــــان الرباطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمناسبة مرور ثماني سنوات عن الثورة

بيــــان  الرباطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان بمناسبة مرور ثماني سنوات عن الثورة


بمناسبة مرور 8 سنوات عن الثورة في تونس أصدرت الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان البيان التالي :

" تمر اليوم ثماني سنوات عن ثورة الحرية والكرامة التونسية التي دخلت البلاد إثرها في مرحلة تاريخية جديدة من الانتقال الديمقراطي.

وقد تحققت في هذه السنوات مكاسب حقوقية وديمقراطية للشعب التونسي عديدة ، رغم ما تخللها وما يزال من انتهاكات متنوعة وتجاوزات وعراقيل ما فتئت تعطّل التقدّم في المسار الديمقراطي في مختلف المجالات ورغم محاولات الرجوع إلى نظام الحكم الفردي المستبد والمنتهك للحريات والحقوق وفي صدارتها استحقاقات المواطنين الذين يطالبون بالكرامة بإنجاز حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية وتحسين ظروف عيشهم التي عرفت تدهورا غير مسبوق منذ الثورة، رغم احتجاجاتهم الاجتماعية المتواترة والمتصاعدة.

لقد تحققت منذ الثورة في تونس عديد المكاسب تأسست على ــ سن دستور ديمقراطي جديد كرس دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية ووزع السلط على هيئات منتخبة لوضع حد للحكم الفردي المستبد الذي لا يفرق بين السلطات بل كان يوظفها لينتهك بواسطتها حرية المواطنين وحقوقهم ــ وابتعاث هيئات دستورية وهيئات تعديلية للحد من انفراد السلطات المنتخبة بالرأي ولضمان احترام الدستورــ وضمان الدولة للمساواة بين المواطنات والمواطنين وحماية الحريات والحقوق الشخصية والمدنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الواردة بالشرعة الدولية لحقوق الإنسان المؤسسة على الشمولية وعدم التجزئة ، وعلى عدم التمييز بين المواطنين على أساس الرأي والمعتقد والجنس واللون والمنشأ

وتبعا لهذه المكاسب الدستورية فقد عرف المجال التشريعي تعديلات مهمة من ذلك إصدار قوانين التفعيل الخاصة بالمبادئ والحقوق المضمونة بالدستور، مثل القانون المتعلق بالقضاء على جميع أشكال العنف ضدً النساء، والقانون المناهض للتًمييز العنصري، فضلا عن مشروع القانون المتعلق بالمساواة في الإرث استجابة لمنطوق الفصل 21 من الدستور الضامن للمساواة بين الجنسين بدون تمييز، والذي لم ير النور بعد وتعارضه ولاتزال بعض القوى السياسية والمجتمعية التي لا تؤمن بحقوق الانسان في شموليتها وبالمساواة التامة في الحقوق بين الجنسين وبوجوب تطبيق الدستور وتفعيله بدون انتقاء.

أمّا على المستوى الواقعي وفي ما يتعلق بممارسة حقوق الإنسان والحريات، فإن الرابطة تسجل النقلة التي حصلت بعد الثورة على نظام الاستبداد وهي نقلة مكنت من ممارسة الحريات المدنية والسياسية التي كانت محظورة، كحرية الرأي والتعبير وحرية النشر والإبداع دونما صنصرة مسبقة أو صنصرة ذاتية، وحرية الإبحار على الانترنات وفي مواقع التواصل الاجتماعي، وحرية التنظيم بتكوين الجمعيات والأحزاب بدون قيود تنفي أصل الحق، وحرية الاجتماع والتجمع والتظاهر السلمي وغيرها.

على أنّ الرابطة رغم ما سبق تعداده من مكاسب ترى واجبا عليها التنبيه إلى أن المكاسب التي تحققت يجب أن لا تحجب ما نشاهده يوميا من تجاوزات تشكل مخاطر على الانتقال الديمقراطي من قبيل محاولات التراجع عن الحقوق ومعارضة الحقوق ببعضها البعض والحال أنها لا تتجزأ، أو بالتغاضي عن الانتهاكات الخطيرة وحتى بتشجيعها من طرف البعض بدعوى ضرورة الأمن والأمان وإرجاع هيبة الدولة، أو بإدعاء ضرورة وضع حد "للفوضى"، بانتهاك الحقوق والحريات الحقوق المضمونة بالدستور وتعطيل ممارستها، أو بمحاولات التراجع عن تكريس دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية بدعوى إرجاع هيبة الدولة والحال أنها لن تكتمل إلا بتفعيل الدستور وتنفيذ ما تضمنه من مبادئ تؤسس لدولة القانون والمؤسسات الديمقراطية، وكلها محاولات تهدف لإرجاع شكل من أشكال الحكم الفردي الذي يتسلط على المجتمع وعلى المواطنين، وينتهك الحقوق والحريات، ولا يحترم التفريق بين السلط، ويعرقل دور الهيئات الدستورية والهيئات التعديلية، ويعتدي على دور المجتمع المدني كسلطة مضادة وخزان اقتراحات لتطوير دولة الحقوق والحريات...

وقد لاحظت الرابطة منذ الثورة تواصل الانتهاكات، التي لم تنقطع، ولو بغير الطرق المنهجية التي كانت عليها زمن الاستبداد، من ذلك تسجيل حالات متعددة من التعذيب والمعاملات واللاإنسانية من طرف قوات الأمن مع الإفلات من العقاب من طرف القضاء، وتكرر الاعتداء على الصحافيين أثناء أدائهم لمهامهم، وانتهاك حق التجمهر والتظاهر السلميين، والاعتداء على المحتجين السلميين باستعمال القوُة والعنف والإيقافات الجائرة، وتعدًدت الإيقافات والمحاكمات في صفوف الشًباب على خلفية التعبير على آرائهم أو احتجاجهم ضدً مظاهر الفساد، وتواصل انتهاك حقوق المثليين وإرغامهم على الفحص الشرجي في انتهاك لاأخلاقي لكرامتهم وحرمتهم الجسدية ومواصلة محاكمتهم طبق الفصل 230 القروسطي من المجلة الجزائية الذي لا يليق بدولة مدنية والمنافي للدستور الذي يضمن عدم التمييز بين المواطنين..

لذلك فإن الرابطة تحذر من الخطورة الجسيمة والمتمثلة في سعي البعض لتعديل المرسوم المنظًم للجمعيات بخلفية التراجع عن المكاسب التي تضمنها بفضل الثورة فيما يتعلق بحرية تكوين الجمعيات وحرية تمويلها مع المراقبة والمحاسبة العمومية، وحرية النشاط، وهو استهداف خطير لاستقلالية المجتمع المدني ولدوره الأساسي في إنجاح الانتقال الديمقراطي.

كما تنبّه الرابطة إلى خطورة إصرار بعض الجهات التي لا تؤمن بعلوية الدستور وبدولة القانون والمؤسسات الديمقراطية وبالحقوق والحريات، التي تستغل في كل مرة الاعتداءات الإرهابية، للعمل على تمرير مشروع ما سمي "بقانون زجر الاعتداء على الأمنيين"، والذي لا يهدف إلا إلى تشريع انتهاك حقوق المواطنين المضمونة بالدستور من طرف أعوان الأمن أثناء مباشرتهم لمهامهم وحتى خارجها، وتحصينهم بالإفلات من العقاب، وهي مطالب وممارسات من أخطر ما يهدد نجاح الانتقال الديمقراطي، ولم تقع المطالبة بها حتى زمن الاستبداد، وتذكرنا بممارسات العصابات الأمنية الإجرامية في أمريكا اللاتينية ضد المواطنين العزل والفالتة من كل عقاب.

وتبعا لهذه المحاذير والتنبيهات فإنّ الرابطة تحمّل المسؤولية التاريخية المباشرة لكل طرف يستجيب لأيّ مشروع قانون يؤيّد ذاك التصور كلّيا أو جزئيّا وتحمّله تبعات ما يمكن أن يترتب على عدم مجابهته أو السكوت عليه كما تنبه الرابطة إلى خطورة تواصل انتهاك الحقوق الاجتماعية والاقتصادية منذ ثورة الكرامة التي طالبت بالتشغيل والعدالة في التنمية بين الجهات، وهي تحمل كل الحكومات المتعاقبة المسؤولية على تواصل هذه الانتهاكات لحقوق ضمنها الدستور رغم مرور ثماني سنوات عن الثورة.

لذلك لا يسعها إلا أن تذكّر بوجوب احترام الحق النقابي وحق الإضراب، والتحكم في الأسعار ودعم المقدرة الشرائية للمواطنين واعتماد منوال تنمية متوازن يضمن للفئات الهشًة والطًبقة المتوسًطة حدا أدنى من العيش الكريم. وأن تطالب هذه الحكومات وبمقتضى الدستور بالمعالجة الجدية لمشكلة البطالة ومن ضمنها بطالة أصحاب الشهائد المعطلين عن العمل.

والرابطة إذ تشجب تقاعس السلطة التنفيذية والأغلبية البرلمانية الحاكمة في تدعيم حقوق الإنسان في كونتيها وشموليتها بعدم العمل الجدي من أجل ملائمة القوانين الموروثة عن حقبة الاستبداد، والمنافية للدستور والمواثيق والمعاهدات الدولية المصادق عليها من طرف الدولة التونسية، بسن قوانين جديدة تفعلها وتدخلها في المنظومة القانونية التونسية، فإنها كذلك تستنكر بشدة إقصاء الحكومات المتعاقبة ومجلس النواب لفعاليات المجتمع لمدني وخاصة منها الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان في ما يتعلّق باهتماماتها كما يفرضه عليها ميثاقها بمناسبة اقتراح مشاريع القوانين المتصلة بمجال تدخلها قصد المساهمة في مناقشتها لذلك فإنها تطالبها بالإقلاع عن هذا المنحى المتفرد بالرأي والذي يهمش دور المجتمع المدني الأمر الذي أنتج مشاريع قوانين منافية للدستور ولاتفاقيات حقوق الإنسان المصادق عليها من طرف الدولة التونسية، وهو منحى يعرقل الانتقال الديمقراطي برمّته.

أمّا في ما يتصل بمسار العدالة الانتقالية فإن الرابطة تؤكد على ضرورة مواصلة هذا المسار من أجل كشف الحقيقة حول الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان وجبر ضرر الضحايا، والسعي إلى إجراء المحاسبة ثم تحقيق المصالحة وذلك لضمان عدم تكرار الجرائم الجسيمة ضد حقوق الإنسان التي اقترفت بصفة منهجية زمن الاستبداد، والعمل على دعم عمل الدوائر القضائية المتخصًصة المتعهدة بالقضايا.

لذلك فإنّ الرابطة تحمّل الحكومة الحالية وكل الأطراف المعنية السياسية والمجتمعية، المسؤولية التاريخية في إيجاد الوسائل والحلول الناجعة لمواصلة هذا المسار وتدعيمه، حتى ينتهي إلى المصالحة المنشودة لطي صفحة الاستبداد بدون رجعة، بعيدا عن كل صنوف التجاذبات والمناكفات التي تعرقل المسار، أو تهدف للتغطية عن الجلادين وشركائهم .

وفي هذا السياق يهم الرابطة أن تذكر الجميع أن القضاء في منطوقه وكما اقتضاه الدستور هو سلطة ثالثة مستقلة عن بقية السلطات. ولكنها رغم ذلك تعاين يوميا أن هذا المكسب الدستوري يقع خرقه من طرف جهات ومواقع نفوذ مختلفة تعمل على توظيفه لصالحها ولمصالحها لذلك فإنها تدعو الجميع إلى النأي بأنفسهم عن التدخل في السير العادي للقضاء وهو جريمة في القانون وانتهاك لحق التقاضي مثلما تدعو تخصيصا السلطة القضائية للتمسك باستقلاليتها والدفاع عنها ضد كل الاعتداءات على استقلاليتها. فلا سلطان عليها سوى الدستور والقوانين المتطابقة معه. وهي تدعوها إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية في إنفاذ دولة القانون الديمقراطية طبق مقتضيات الدستور. فلا دولة قانون ديمقراطية بدون قضاء مستقل والقضاة مسؤولون عن ذلك.

و لهذا جميعه فإن الرابطة تستنكر بشدة تعثر استكمال الهيئات الدستورية لتحقيق الانتقال الديمقراطي، وأولى هذه الهيئات المحكمة الدستورية المستقلة التي تأجل بعثها لأكثر من ثلاث سنوات، والخشية كل الخشية أن تكون بعض الأطراف تعمل على عرقلة إرسائها قبل التحقق من توظيفها لصالحها، وكذلك تنقيح القانون المتعلق بالمحكمة العسكرية حتى تختص بالجرائم العسكرية دون سواها وتتخلى عن محاكمة المدنيين، وإرساء بقية الهيئات الدستورية التي وردت بالدستور، وإصلاح وضعية الهيئة المستقلة للانتخابات طبق الدستور وقانونها الأساسي والكف عن التجاذبات السياسية بغاية توظيف أعضائها....والالتزام بموعد الانتخابات التشريعية والرئاسية في أجالها الدستورية، والالتزام بانتخاب المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم المختصة في التنمية الجهوية..

وختاما فإنّ الرابطة إذ تحث الحكومة والأغلبية النيابية الحاكمة صاحبة القرار على إنجاز هذه المهام لتفعيل الدستور ووضعه حيز التطبيق ، فإنها تحملها مسؤولياتها التاريخية في تعثر إنجاز المهام الدستورية...

والرابطة اذ تذكر بمناسبة مرور ثماني سنوات عن ثورة الحرية والكرامة، بهذه المكاسب، وبما كان منتظرا تحقيقه ولم يتحقق، وبالانتهاكات المتواصلة المنافية للحقوق المضمونة بالدستور، فلأنها تحذر من المخاطر الجدية على نجاح الانتقال الديمقراطي بسببها.

وهي تنبه كل فعاليات المجتمع المدني وكل القوى الديمقراطية اليقظة، للدفاع عن المكاسب، وللمطالبة بتحقيق ما لم يتوفر من حقوق للمواطنين التونسيين، ولوضع حد للانتهاكات المخالفة التي تطالهم.

وهي تدعوهم جميعا للاهتمام بجدية باستحقاقات الانتقال الديمقراطي غير المنجزة، لأنّ هذه الاستحقاقات هي التي ستوفر للجميع صمام الأمان ضد الرجوع إلى نظام الاستبداد.

والرابطة تضع نفسها في خدمة الجميع للتشاور والتفاعل الايجابي من أجل ذلك ...".
 

التعليقات

علِّق