مضيق هرمز.. ومحدودية الخيارات البديلة

بقلم : محمد معاذ شارد
متخصّص في إدارة الأعمال وسلاسل الإمداد
بالتأكيد عندما تتصاعد التوترات العسكرية في الخليج، لا تهتز المنطقة وحدها، بل تتأثر معها سلاسل الإمداد العالمية للطاقة، وهذا ما يحدث اليوم اثر العدوان الأمريكى-الاسرائيلى على ايران.
ومع اتساع المواجهة من خلال تشديد إيران قبضتها على أحد الممرات البحرية الاكثر استراتيجية طاقية فى العالم، بدأت شركات الشحن والتأمين تتعامل مع مضيق هرمز باعتباره منطقة عالية الخطورة حيث غيّرت بعض السفن مساراتها، وأجّلت أخرى رحلاتها، بينما بقي عدد كبير من الناقلات عالقًا في المضيق، في وقت ارتفعت فيه تكاليف الشحن والتأمين بشكل غير مسبوق.
- مضيق هرمز في الخارطة الطاقية في العالم1
تقتضي الإشارة والتذكير هنا بعدد من البديهيات الجغرافية ذات العلاقة بهذا المضيق الحسّاس، منها :
- أن مضيق هرمزيٌشكّل أهم نقطة اختناق في تجارة الطاقة العالمية حيث يمرّ عبره يوميًا نحو 20 مليون برميل من النفط، أي ما يقارب خُمس الاستهلاك العالمي من النفط.
أما الغاز، فيعبر المضيق سنويًا أكثر من 110 مليارات متر مكعب من الغاز الطبيعي المسال، وهو ما يمثل قرابة 20٪ من تجارة الغاز الطبيعي المسال عالميًا.
ولهذا السبب يُصنَّف المضيق كواحد من أهم نقاط الاختناق في سلاسل إمداد الطاقة العالمية، فتعطّله لا يهدّد دولة واحدة، بل يمكن أن يربك أسواق الطاقة والصناعة في مختلف أنحاء العالم.
صحيح أن مصادر الطاقة تنوعّت خلال العقود الأخيرة، لكن أهمية المضيق ما زالت ثابتة حيث أن النفط لا يزال الوقود الأساسي لقطاع النقل وأحد أعمدة الاقتصاد العالمي، بينما أصبح الغاز عنصرًا أساسيًا في إنتاج الكهرباء وتشغيل العديد من الصناعات الثقيلة.
- غالبًا ما يُذكر النفط والغاز معًا باعتبارهما مصدرين رئيسيين للطاقة، لكن سلاسل إمدادهما تختلف بشكل كبير.
فإن كان من الممكن نقل النفط بمرونة نسبية عبر ناقلات بحرية ضخمة، كما يمكن تغيير مساراته بين الأسواق العالمية بسهولة أكبر، فإن الغاز الطبيعي يواجه تحديات تقنية أكبر، إذ يعتمد أساسًا على طريقتين رئيسيتين للنقل سواء عبر خطوط الأنابيب التي تعدّ الوسيلة الأقل تكلفة لنقل الغاز، لكنها تتطلب استقرارًا سياسيًا ومسارات برية آمنة تمتد غالبًا عبر
عدة دول. وقد كانت هذه الطريقة هي السائدة في أوروبا خلال فترة الاعتماد الكبير على الغاز الروسي، أو بالاعتماد على الغاز الطبيعي المسال حيث يُبرَّد الغازإلى درجات حرارة منخفضة جدًا حتى يتحول إلى (LNG)
سائل، ما يؤدي إلى تقليص حجمه بشكل كبير، بعدها يُنقل في سفن خاصة، ثم يُعاد تحويله إلى غاز في موانئ الاستقبال.
بالرغم أن هذه الطريقة أكثر تكلفة وتعقيدًا، لكنها تمنح الأسواق العالمية مرونة أكبر في نقل الغاز بين القارات، وهي الوسيلة الرئيسية لتصدير معظم الغاز الخليجي نظرًا لبعد المسافات عن الأسواق المستهلكة.
2- البديل المتاح عن مضيق هرمز: سلطنة عٌمان
وسط هذه التوترات، تظهر سلطنة عُمان كحالة مختلفة داخل الخليج، فهي تطل مباشرة على مضيق هرمز وترقبه من الخارج عبر بحر عمان والمحيط الهندي.
بالفعل تمتلك عمان ساحلًا طويلًا على المحيط الهندي خارج مضيق هرمز، ما يمنح موانئها إمكانية الوصول المباشر إلى طرق التجارة البحرية العالمية دون الحاجة إلى المرور عبر المضيق.
لكن الجغرافيا ليست العامل الوحيد في هذا الدور العماني المحتمل بل تتقاطع مع ما تشهده هذه السلطنة الخليجية الممتدة الاطراف من :
- استقرار سياسي ودبلوماسية هادئة حيث تعرف عُمان بسياسة خارجية متوازنة وعلاقات مستقرة مع معظم القوى الإقليمية، وهو ما مكّنها من لعب دور الوسيط في عدة أزمات إقليمية.
- تطور لوجستي وصناعي أين استثمرت السلطنة خلال السنوات الماضية بشكل كبير في تطوير الموانئ التحتية للطاقة، أبرزها ميناء "الدقم" الذي يجري تطويره كمركز صناعي ولوجستي مهم على المحيط الهندي.
كما استثمرت السلطنة في تطوير تقنيات الطاقة والصناعات المرتبطة بها، بما في ذلك مشاريع الهيدروجين الأخضر والبتروكيماويات المتقدمة، في محاولة لتحويل موانئها إلى منصات صناعية وتكنولوجية مرتبطة بسلاسل الطاقة العالمية.
ومع ذلك، يبقى تحويل عُمان إلى مسار بديل رئيسي لتصدير الطاقة الخليجية أمرًا معقدًا، إذ يتطلب بناء آلاف الكيلومترات من خطوط الأنابيب لنقل النفط والغاز من دول الخليج، إضافة إلى إنشاء منشآت ضخمة لإسالة الغاز قبل شحنه إلى الأسواق العالمية.
3- الخيارات الأخرى… ولماذا تبقى محدودة
رغم الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز، حاولت بعض دول الخليج تطوير بدائل تقلل من الاعتماد عليه، عناوينها:
- خط أنابيب شرق-غرب :
تمتلك السعودية خط أنابيب يربط حقول النفط في شرق البلاد بموانئها في البحر الأحمر غربا، ما يسمح بتصدير جزء من الإنتاج دون المرور عبر المضيق.
لكن هذا الخيار يخدم أساسًا الصادرات المتجهة نحو أوروبا وأمريكا عبر قناة السويس، أما الصادرات المتجهة إلى آسيا فستظل مضطرة لعبور مضيق باب المندب، وهو ممر بحري حساس شهد خلال السنوات الأخيرة هجمات على السفن وارتفاعًا في المخاطر الأمنية، ما يعني أن هذا المسار لا يوفر بديلًا آمنًا كاملًا للأسواق الآسيوية أكبر مورد للطاقة من الخليج.
- خط أنابيب حبشان-الفجيرة :
أنشأت الإمارات خط أنابيب ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة المطل على بحر العرب خارج مضيق هرمز، ورغم أهمية هذا المشروع تبقى محدودة مقارنة بإجمالي صادرات الخليج.
كما أن موقع الميناء نفسه يقع على مسافة قريبة من بؤر التوتر العسكري في الخليج، ما يجعله هدف لأي تصعيد عسكري في المنطقة، وبالتالي لا يمكن اعتباره بديلًا استراتيجيًا كاملاً عن المضيق.
-خط أنابيب كركوك-جيهان :
يمكن للعراق تصدير جزء من نفطه عبر ميناء جيهان التركي على البحر المتوسط، لكن هذه الكميات ضئيلة، كما أن هذا الخيار لا يصلح لمعظم الدول الخليجية الأخرى بسبب البعد الجغرافي.
لذلك، ورغم وجود هذه البدائل، تبقى قدرتها الإجمالية محدودة مقارنة بحجم صادرات الطاقة الخليجية الضخم، وهو ما يجعل مضيق هرمز ممرًا لا يمكن الاستغناء عنه بسهولة في المستقبل القريب، كما تكشف الحرب الحالية حقيقة أساسية في سوق الطاقة العالمية، مفادها أن القوة في قطاع الطاقة لا تعتمد فقط على امتلاك النفط والغاز، بل أيضًا على القدرة على نقل هذه الموارد عبر سلاسل إمداد آمنة ومتنوعة من موانئ وخطوط أنابيب وممرات بحرية.
فالجغرافيا التي جعلت من مضيق هرمز شريانًا حيويًا للطاقة العالمية هي نفسها التي تذكّر العالم اليوم بمدى هشاشة هذا الشريان عندما تٌحوّله السياسة إلى صراع عسكرى مفتوح
التعليقات
علِّق