يسقط منهم واحد بعد كل مدّة : متى تضرب الدولة عصابات الزيت المدعّم وتريح " الزواولة " من إجرامهم ؟

أذنت النيابة العمومية بالمحكمة الابتدائية بصفاقس بالاحتفاظ بثلاثة أشخاص بسبب تورطهم في الاتجار غير الشرعي بالزيوت النباتية المدعّمة . هذا الخبر عادي جدا في ظاهره لكنّه يعكس ظاهرة إجرامية في تونس ما فتئت تتفاقم دون أن تجد من يجرؤ على اجتثاثها من الجذور وهي السطو على رزق " الزواولة " وبيعه إلى أصحاب مصانع أو مطاعم أو نزل أو غيرهم من القادرين على شراء كميات كبيرة من الزيوت النباتية من دون دعم .
ولقد تعوّدنا بين الحين والآخر على أن يطالعنا خبر يقول إن وحدات الأمن التونسي تمكنت من تفكيك شبكة أو عصابة تتاجر بالزيت النياتي المدعّم . وطبعا تثلج هذه الأخبار صدرونا وصدور كافة " الزواولة " الذين ينطبق عليهم المثل الشعبي الشهير القائل : " ما حسدناهمش في غناهم حسدونا في فقرنا ". وبالفعل فقد حسدت هذه العصابات المافيوزية الفقراء على فقرهم وباتت تسطو على نصيبهم الذي رضوا به . وإذا كنّا نصفّق لأيّة عملية توقع بأي فرد من هؤلاء فإن ذلك لا يكفي إذ لا بدّ من ان تتوسّع دائرة الردع وأن يضرب كل طرف من جهته عسى أن يتم تضييق الخناق على هذه العصابات فتنقطع عن الاجرام في حق الوطن والمواطن .
والعملية هي في الواقع واضحة وسهلة ولا نظنّ أن فيها تعقيدات ومسالك توزيع متشعّبة مثلما هو الشأن في مسائل أخرى . فالشركات التي تصنع الزيوت النباتية تتعامل مع تجّار جملة يتولّون شراء كميات كبيرة يبيعونها في ما بعد إلى تجّار التفصيل . وبين هذه الحلقات الثلاث يصل اللتر الواحد من الزيت النباتي المدعّم إلى المواطن المستهلك بتسعمائة مليم وهو سعر لا يمكن لأي تاجر تفصيل أن يبيع بأكثر منه . أما أولئك الذين يستعملون هذا الزيت بكميات كبيرة وفي أشياء أخرى كالمرطبات أو المطاعم أو النزل أو أصحاب مصانع تحويل التنّ والسردينة ... وغيرهم فهم يسترون نفس الزيت لكن بسعر أرفع نظرا إلى أن الدولة لا تدعم من حيث المبدأ إلا من هم في حاجة إلى الدعم .
ولقد لاحظ الناس كلّهم ومنذ عدة أشهر أن الحصول على لتر واحد من الزيت النباتي أصبح أسهل بكثير من أن تتفوّق أثيوبيا مثلا على ألمانيا في برلين بالذات وبعشرة أهداف نظيفة . ولاحظنا أيضا أن تجّار التفصيل باتوا يشتكون من تجار الجملة الذين لم يعودوا يزوّدونهم بالزيت النباتي إلا " بكيفهم " . وحتّى إن زودوهم به فإنهم سيقعون في حرج مع حرفائهم الذين لم يعد باستطاعتهم ( وفي إطار العدل على الأقل ) أن يبيعوهم أكثر من لتر واحد للشخص الواحد . وبقطع النظر عن تلك الحالات الاستثنائية التي تعطّل فيها إنتاج الزيت لسبب أو لآخر فإن السؤال الذي لابد منه إذا افترضنا أن الزيت متوفر على مستوى الانتاج : من المسؤول عن شحّ السوق من الزيت المدعّم وذهابه إلى غير أهله أي إلى المستكرشين المتحيّلين عوضا عن " الزواولة " والمحتاجين ؟. إن الاجابة لا تحتمل الكثير من الفرضيات . فإما أن يكون تاجر الجملة الذي لم يؤدّ الأمانة إلى أصحابها وقام بتحويل وجهة الزيت إلى غير الموجّه لهم مع ما يمكن أن يجني طبعا من أموال بعيدة كل البعد عن هامش الربح العائد إليه في عمليات البيع العادية ... وإما أن يكون تاجر التفصيل هو المسؤول لأنه اشترى من تاجر الجملة زيتا مدعّما ليبيعه بدوره إلى المستهلكين بتسعمائة مليم فإذا بالطمع الساكن فيه يأمره بحجب الزيت عن الحرفاء إلا في ما قلّ وندر ( بعض الحرفاء فقط ) ثم بيعه في ما بعد إلى أولئك الذين يستعملونه في أمور أخرى ( خاصة معامل تحويل التنّ والسردينة التي تستعمل كميات كبيرة من الزيت النباتي المدعّم ) فيجني " العطّار " من وراء ذلك أموالا طائلة علما بأن اللتر الواحد الذي يباع للمواطن بتسعمائة مليم يباع للآخرين بدينارين على الأقل ... وهذا يعني أن الربح الصافي الذي يجنيه تاجر الجملة أو تاجر التفصيل لن يقلّ عن 1100 مليم في اللتر الواحد .
ومهما يكن من أمر فإن المطلوب اليوم ردع هؤلاء الذي لا يتّقون الله في خلقه إذ لا تهمّهم سوى بطونهم ولا يفكّرون إلا في مصالحهم ومصالح جيوبهم . والردع الذي نعني ليس من نوع " ضرب الهجّالة في بنتها " بل نريده ضربا لا يمكن للمضروب بعده أن يقف على رجليه . ولا نعتقد أن الأمر صعب إذا يكفي أن تتوفّر الإرادة وأن توضع خطط محكمة وبرنامج كامل وشامل للقضاء على أخطبوط الزيوت المدعمة .
جمال المالكي
التعليقات
علِّق