هل انتهت الحرب الصهيو أمريكية على إيران ومن المنتصر حقّا؟

فتحي التليلي
تاريخ 8أفريل 2026 لم يكن يوما عاديّا ولن يكون كذلك فهو خطّ نظام عالمي جديد بدأت تتشكّل ملامحه لأول مرة ليس بيد الولايات المتحدة الأمريكية.
وهو يوم يشبه 8 ماي 1945 نهاية الحرب العالمية الثانية وانتحار أدولف هتلر وهو يمثل أيضا يوم الانتحار السياسي للرئيس الأمريكي الذي خرج الخاسر الأكبر من هذا الحرب على إيران ومن المؤكّد أن سيدفع فاتورة ذلك غاليا من الداخل و الخارج.
نهاية الحرب العبثية لخصها سينياتور أمريكي بالقول "ترامب يطالب بفتح مضيق هرمز أو سوف ينسف إيران أولم يكن الممرّ مفتوحا ؟فما هذا العبث"
العبث يبدو في الظاهر أنه انتهى وحاول ترامب التسويق لاتفاق إطلاق النار على أن انتصار له و لبلاده فيما تؤكّد طهران أهنا المنتصرة لكن في الواقع لامنتصر في هذه الحرب طالما انتهت باتفاق سلام و ليس استسلام .
هذا في المطلق أما في واقع هذه الحرب و بالنظر للنقاط الواردة في الاتفاق فانه يمكن اعتبار طهران منتصرة و ب"الكاوو" حيث تعتبر أنها فرضت شروطها التي سيتمّ التفاوض حولها لوقف دائم للحرب وهذه الشروط التي اعتبرتها واشنطن منطلقا للتفاوض ورضيت بها هي حسب وسائل إعلام إيرانية:
– تعهد الولايات المتحدة من حيث المبدأ بضمان عدم الاعتداء.
– استمرار سيطرة إيران على مضيق هرمز والمرور الآمن للسفن بالتنسيق مع الحرس الثوري.
– القبول بالتخصيب.
– رفع جميع العقوبات الأولية.
– رفع جميع العقوبات الثانوية.
– إنهاء جميع قرارات مجلس الأمن.
– إنهاء جميع قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
– دفع تعويضات لإيران.
– خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة.
– وقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك ضد المقاومة الإسلامية البطلة في لبنان.
فيما أكدت صحيفة نيويورك تايمزعلى أن الاتفاق يشمل فقط الرفع الكامل لجميع العقوبات الدولية على إيران وعلى تقديم ضمان رسمي بعدم تعرض إيران لهجمات مستقبلية، علاوة على وقف العمليات العسكرية الإسرائيلية ضد حزب الله في لبنان.
وفي كل الحالات يعدّ هذا الاتفاق نصرا للإيرانيين و يكفيهم فخرا أنهم كبدوا أقوى قوة عسكرية في العالم خسائر كبيرة في 40يوما وأجبروا أقوى دولة على الجلوس على طاولة المفاوضات .
الاتفاق المتحدث عنه دخل حيز التنفيذ منذ الإعلان عنه و إسرائيل أيضا ملتزمة به بل لعلها المستفيد الأكبر منه بعد الخسائر الاقتصادية و العمرانية الضخمة والغير مسبوقة التي سببتها لها الصواريخ الإيرانية .وسيتم اختبار حسن النوايا و صلابة هذا الاتفاق خلال أسبوعين ربما ستتلوهما أسبوعان آخران من وقف إطلاق النار حيث من الصعب التوصل إلى اتفاق سلام شامل في الوقت الحالي خلال المفاوضات التي ستبدأ رسميا في باكستان يوم 10أفريل.خاصة و أن المتفاوضين الاثنين يعتبران كل واحد يعتبر نفسه منتصرا على الأخر.
الحرب الإيرانية الأمريكية حتى و إن انتهت فعليا على الأرض فانّ تداعياتها الجيوسياسية و الاقتصادية لن تنتهي قريبا و لن تقف عند حدود الخليج أو الشرق الأوسط بل ستطال العالم بأسره.
فأول نتيجة مباشرة لهذه الحرب هي سقوط صورة الولايات المتحدة كقوة لا تُهزم. فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية خاضت واشنطن عشرات الحروب والتدخلات العسكرية ولم يحدث أن وجدت نفسها لأول مرة مضطرة إلى التراجع بعد أقل من أربعين يوما أمام دولة محاصرة منذ أكثر من أربعة عقود. وقد اعترفت بذلك حتى بعض الأصوات الأمريكية. ففي تصريح لافت قال السيناتور الجمهوري السابق ران بول إن "الولايات المتحدة لا تستطيع أن تواصل خوض الحروب ثم تدّعي أنها انتصرت كلما اضطرت إلى التفاوض".
أما من الناحية الاقتصادية فإن الكلفة كانت كارثية على الجميع. فقد ارتفع سعر برميل النفط في ذروة الحرب إلى أكثر من 128 دولارا بعد أن كان في حدود 74 دولارا قبل اندلاعها، كما قفزت أسعار التأمين على السفن العابرة للخليج بأكثر من 300 بالمائة. ووفق تقديرات شركات النقل البحري فإن كل يوم اضطراب في مضيق هرمز كان يكلّف الاقتصاد العالمي ما بين 1.5 و2 مليار دولار باعتبار أن نحو 21 مليون برميل نفط تمر يوميا عبره، أي ما يقارب خمس الاستهلاك العالمي.
إسرائيل بدورها خرجت من الحرب مثخنة بالجراح. فالتقديرات الأولية تتحدث عن أضرار عمرانية تجاوزت 85 مليار دولار نتيجة سقوط مئات الصواريخ والمسيرات، إضافة إلى توقف شبه كامل للمطارات والموانئ لأسابيع. كما تراجع النمو الاقتصادي الإسرائيلي المتوقع لسنة 2026 من 3.8 بالمائة إلى أقل من 1 بالمائة، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن نزوح أكثر من 600 ألف شخص من المدن الكبرى نحو الداخل.
لكن الخاسر الأكبر سياسيا يبقى دونالد ترامب. فقد دخل الحرب وهو يعد الأمريكيين بانتصار سريع وحاسم خلال أيام، ثم وجد نفسه بعد أسابيع قليلة يقبل بما كان يرفضه منذ البداية: التفاوض مع إيران والقبول بمبدأ التخصيب وعدم المساس بالنظام الإيراني. ولذلك ليس من المستغرب أن تبدأ أصوات داخل الحزب الجمهوري بمحاسبته. فقد قال أحد أعضاء الكونغرس في مقابلة تلفزية إن "ترامب وعد بحرب قصيرة فإذا به يمنح إيران أكبر انتصار سياسي منذ الثورة الإسلامية".
في المقابل، لا يمكن القول إن إيران خرجت من الحرب من دون خسائر. فالبنية التحتية العسكرية تعرّضت لضربات كبيرة، وهناك حديث عن تدمير عشرات المواقع ومقتل المئات من العسكريين والعلماء، كما تكبد الاقتصاد الإيراني خسائر بمليارات الدولارات. لكن الفارق أن طهران نجحت رغم ذلك في المحافظة على خطوطها الحمراء الأساسية: النظام صمد، و حق التخصيب حفظ، ومضيق هرمز بقي تحت تأثيرها، والولايات المتحدة اضطرت في النهاية إلى التفاوض.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه الحرب هو أنها دشّنت عمليا نهاية العالم الأحادي القطبية. فروسيا والصين لم تتدخلا عسكريا لكنهما كانتا الحاضن السياسي والاقتصادي لطهران، بينما بدت أوروبا عاجزة تماما عن التأثير. ومن هنا فإن العالم الذي سيولد بعد 8 أفريل 2026 لن يشبه العالم الذي سبقه. لقد انتهى زمن أن تقرر واشنطن وحدها من يحكم ومن يسقط ومن ينتصر ومن ينهزم.
قد تكون الحرب انتهت عسكريا، لكن المعركة الحقيقية بدأت الآن.. معركة إعادة رسم خرائط النفوذ، ومعركة الاقتصاد والطاقة.
التعليقات
علِّق