هكذا تفاعلت الصحافة المصرية   بعد السقوط  المدوّي للأهلي والانتصار التاريخي للترجي..

هكذا تفاعلت الصحافة المصرية   بعد السقوط  المدوّي للأهلي  والانتصار التاريخي للترجي..

 

استأثرت هزيمة الأهلي المصري أمام الترجي الرياضي التونسي، مساء السبت 21 مارس 2026، باهتمام واسع في الصحافة المصرية الصادرة اليوم، لا باعتبارها مجرد خسارة عابرة في ربع نهائي دوري أبطال إفريقيا، بل بوصفها سقوطًا ثقيلًا أعاد فتح ملفات فنية وإدارية ظلت مطروحة داخل البيت الأهلاوي منذ أسابيع. فخروج الأهلي جاء بعد هزيمتين متتاليتين أمام الترجي، الأولى ذهابًا في تونس بهدف دون رد، والثانية إيابًا في القاهرة بنتيجة 3-2، ليغادر الفريق بمجموع 4-2، وهي حصيلة جعلت قطاعات واسعة من الإعلام المصري تتجاوز منطق التعليق على مباراة واحدة إلى تشخيص أزمة أعمق في الأداء والاختيارات والتسيير.

وإذا كانت بعض التغطيات اكتفت بسرد الوقائع، فإن اللافت في غالبية المعالجات المصرية هو انتقالها سريعًا من وصف الخسارة إلى تفكيك أسبابها. فقد ركزت تقارير ومتابعات على أن الأهلي دخل المواجهة تحت ضغط ضرورة التعويض، لكن هذا الضغط لم يتحول إلى شخصية جماعية متماسكة على امتداد المباراة، بل انكشف الفريق بمجرد تغير نسق اللقاء في الشوط الثاني. هذا التوصيف وجد صداه في التصريحات التي أبرزتها وسائل إعلام مصرية، وفي مقدمتها ما نُقل عن المدرب ييس توروب الذي أعلن تحمله مسؤولية الخروج، معترفًا بحجم الإحباط الجماهيري، ومقرًا بأن ما تحقق لم يكن في مستوى تطلعات النادي.

الصحافة المصرية لم تُخف كذلك أن الهزيمة أمام الترجي بدت، في نظر كثير من المعلقين، نتيجة منطقية لتراكمات سابقة أكثر منها مفاجأة رياضية خالصة. فقبل المواجهة الحاسمة بأيام، كانت بعض المنابر قد تحدثت أصلًا عن تصاعد الانتقادات الموجهة للمدرب الدنماركي ييس توروب، بل وعن وجود مطالبات بإقالته خشية ضياع الموسم. وبعد الإقصاء، عادت هذه الخلفية بقوة لتصبح جزءًا من التفسير الإعلامي: أي أن الخروج القاري لم يصنع الأزمة، بل كشفها وعرّاها على نحو أوضح.

وفي هذا المناخ، برز اتجاه واضح داخل الخطاب الإعلامي المصري يقوم على تحميل المسؤولية لـ"المنظومة" بأكملها، لا للجهاز الفني وحده. هذا المعنى ظهر بوضوح في التناول الذي أبرز تصريحات وائل جمعة، حين اعتبر أن خروج الأهلي "يليق بالمنظومة"، في إشارة إلى تشابك الأخطاء بين الإدارة، والجهاز الفني، واللاعبين. أهمية هذا الخطاب أنه لا يتوقف عند أخطاء التبديلات أو سوء إدارة لحظات المباراة، بل يضع الهزيمة في إطار أوسع يتصل بجودة التعاقدات، والاستعداد الذهني، والقدرة على التعامل مع المباريات الكبرى عندما يتعرض الفريق لاختبار حقيقي في الضغط العالي والنسق التنافسي.

ومن زاوية فنية خالصة، التقت عدة قراءات مصرية عند نقطة أساسية: الترجي لم يفز فقط لأنه استثمر الفرص، بل لأنه فرض منطقه التكتيكي على فترات حاسمة من المواجهتين. فقد أُشير بوضوح إلى نجاح الفريق التونسي في اعتماد دفاع متقدم وضغط أربك الخط الخلفي للأهلي، مع استغلال التحولات وسوء التمركز، وهو ما جعل الأهلي يبدو في لحظات كثيرة فاقدًا للتوازن بين الرغبة في الهجوم والحاجة إلى التأمين الدفاعي. وحتى حين تقدم الأهلي في فترات من مباراة العودة، فإن الخطاب الإعلامي المصري رأى أن هذا التقدم لم يُترجم إلى سيطرة ناضجة بقدر ما بقي هشًّا وقابلًا للانهيار مع أول ارتداد تونسي منظم.

ولم يكن الاعتراف بأفضلية الترجي في الصحافة المصرية اعترافًا شكليًا أو مجاملة عابرة، بل جاء في صيغة تحمل شيئًا من الإقرار بأن الفريق التونسي كان أكثر جاهزية ذهنيًا وانضباطًا تكتيكيًا. فقد وصفت بعض التغطيات الانتصار بأنه تاريخي، خاصة أنه تحقق في استاد القاهرة وللمرة الأولى في مواجهات الفريقين الإفريقية هناك، بينما تحدثت تصريحات من داخل الترجي، نقلتها وسائل إعلام مصرية، عن أن الفوز ذهابًا وإيابًا كان بمثابة رد اعتبار. وهذا النوع من العبارات يعكس، في جوهره، أن الإعلام المصري لم ينظر إلى ما حدث كعثرة تحكيمية أو حادثة ظرفية، بل كأفضلية ميدانية فرضها ممثل الكرة التونسية بوضوح.

كما يمكن ملاحظة أن بعض المنابر المصرية حاولت، بشكل غير مباشر، ربط ما جرى بثقل البيئة الإعلامية المحيطة بالأهلي، حيث تتضخم التوقعات ويصبح الانتصار واجبًا دائمًا لا احتمالًا رياضيًا. ورغم أن هذا العامل لا يفسر وحده الخسارة، فإنه يفسر جزئيًا حدة النبرة التي أعقبتها: فالحديث لم ينصب فقط على ضياع لقب أو خروج من ربع النهائي، بل على اهتزاز صورة فريق اعتاد تقديم نفسه بوصفه مرجعًا قاريا ثابتا. ومن هنا جاء التصعيد السريع في النقاش حول مستقبل المدرب، والخيارات الإدارية، وإمكانية أن يكون الموسم متجها نحو حصاد أقل من سقف انتظارات الجماهير.

وخلاصة ما تعكسه الصحافة المصرية اليوم أن هزيمة الأهلي أمام الترجي لم تُقرأ باعتبارها مجرد تفوق تونسي في مباراة، بل باعتبارها لحظة كاشفة لأزمة ثقة وهوية داخل فريق لم يعد يقنع بالهيبة وحدها. فالإعلام المصري، وإن اختلفت نبراته بين الصدمة والنقد والغضب، يكاد يلتقي على فكرة واحدة: الترجي استحق العبور لأنه كان أكثر وضوحًا في فكرته، وأكثر صلابة في شخصيته، بينما دفع الأهلي ثمن ارتباكه الفني وتناقضاته الإدارية وضغط صورته التاريخية. وهكذا تحولت مباراة القاهرة، في مرآة الصحافة المصرية، من مجرد خسارة قارية إلى اختبار قاسٍ لمكانة الأهلي نفسها داخل الساحة الإفريقية.

التعليقات

علِّق