ممر ترامب… محاولة اختراق أمريكي في قلب القوقاز

في خضم إعادة تشكيل النفوذ الجيوسياسي في أوراسيا، يبرز مشروع يُعرف إعلاميًا بـ "ممر ترامب"، الذي يشق طريقه بين شقي أذربيجان عبر أراضي أرمينيا وصولًا إلى تركيا. هذا المشروع ليس مجرد طريق نقل عابر، بل هو انعكاس لتحولات استراتيجية عميقة في وسط آسيا، حيث تتشابك مصالح القوى الكبرى، وتتشكل توازنات جديدة تهدف إلى كسر هيمنة موسكو التقليدية، وفتح آفاق جديدة أمام الولايات المتحدة وحلفائها.
خلفية الصراع والمعادلة الجديدة
بعد عقود من هيمنة موسكو على منطقة اسيا الوسطى، نجحت واشنطن الى حد ما في تحقيق اختراق استراتيجي برعاية اتفاق سلام بين أذربيجان وأرمينيا، تم التفاوض عليه وسط غياب روسي فرضته الحرب مع أوكرانيا. لسنوات عديدة، لعبت موسكو على الخلافات بين البلدين لتظل المتحكم الوحيد، لكنها لم تدرك أن التقاء المشروع الأمريكي مع حلم وحدة العالم التركي سيقلب ميزان القوى، ويفتح الباب لواشنطن كلاعب جديد في قلب آسيا الوسطى.
كان من أبرز بنود الاتفاق منح أرمينيا للولايات المتحدة حق تطوير ممر عبر اراضيها يربط البر الرئيسي لأذربيجان بإقليمها ناخيتشيفان، عبر عقد كراء يمتد لمدة 99 عامًا، ما يعكس حجم الاختراق الأمريكي التركي في منطقة لطالما سيطرت عليها روسيا.
الخلافات التاريخية بين أنقرة وباكو من جهة ويريفان من جهة أخرى ظلت عقبة أمام أي تكامل اقتصادي إقليمي. سيطرت روسيا على طرق التجارة بين آسيا الوسطى وأوروبا، وحافظت على الوضع القائم. لكن حرب القوقاز الأخيرة وانتصار باكو في استعادة كاراباخ غيرت المعادلة مع غياب تدخل روسي حاسم جعل هذا الممر الذي كان شبه مستحيل يتحقق.
باشينيان تحت الضغط… وعلييف بين الشرق والغرب
باشينيان، المعروف بموقفه المتذبذب من النفوذ الروسي، وجد نفسه بعد الهزيمة أمام ضغط شعبي غير مسبوق، ما دفعه إلى القبول باتفاق قد يخفف الأزمة الاقتصادية ويضمن استمرار التوازن الإقليمي. في المقابل، حافظ الرئيس الأذري إلهام علييف على توازن حذر بين موسكو والغرب، لكنه استثمر التحالف مع أنقرة وواشنطن لتعزيز موقع بلاده في معادلة الطاقة والنقل الإقليمي.
دوافع واشنطن وطموحات أنقرة في الممر
تهدف الولايات المتحدة من خلال هذا الممر إلى توسيع نفوذها في أوراسيا، وفتح طريق بديل لسلاسل الإمداد والتجارة بعيدًا عن هيمنة روسيا، وفى مواجهة المنافسة المتصاعدة مع الصين ومشروعها "الحزام والطريق". من جهة أخرى، تسعى أنقرة لتحقيق حلم وحدة العالم التركي عبر تعزيز الروابط الاقتصادية والنقل، ما يجعل من الممر نقطة محورية لتجسيم هذه الرؤية الاستراتيجية.
انعكاسات على سلاسل الإمداد والطاقة
يأتي الغاز الأذري في مقدمة الموارد التي سيضيفها الممر الجديد إلى السوق الأوروبية، مما يسهم في تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية. إلى جانب ذلك، تتميز دول وسط آسيا بموارد هائلة قابلة للتصدير، من نفط وغاز ومعادن، وسوق توريد ضخم واعد، مما يفتح أمام الولايات المتحدة فرصًا اقتصادية كبيرة تعزز من أرباحها عبر السيطرة على هذه المسارات الحيوية. وتعتبر هذه الخطوة جزءًا من استراتيجية واشنطن لمنافسة مشروع الحزام والطريق الصيني، وتقليص نفوذ موسكو في أوراسيا، مع احتمال التأثير على موازين القوى الإقليمية، وحتى التهديد العسكري لإيران من خلال قرب الممر من حدودها.
تطبيق هذه الاتفاقية قد يُعيد ترتيب خريطة النقل والطاقة في منطقة اسيا الوسطى، السؤال الذي سيظل معلقا: هل سيكون ممر ترامب قادرا على مواجهة مبادرة الحزام والطريق الصينية.
Wait and see
بقلم محمد معاذ شارد:متخصص في إدارة الأعمال وسلاسل الإمداد
التعليقات
علِّق