مقاومة الارهاب تفترض التخلص من القوالب القديمة في فهم اسبابه

مقاومة الارهاب تفترض التخلص من القوالب القديمة في فهم اسبابه

الحصري - مقال رأي

بقلم : نورالدين المباركي 
لا أشك  في وجود ارادة  حقيقية  لمكافحة الارهاب  من الطرف الجهات الرسمية ( الحكومة)  و الجهات غير الرسمية ( الاحزاب و المنظمات و المواطنون)، هذا " اليقين" ( طبعا يبقى دائما نسبيا) ليس مبنيا فقط  على التصريحات المعلنة إنما ايضا  لأن الارهاب يُهدد الجميع و يستهدف مقومات الدولة كما الأحزاب و المنظمات  ونمط عيش المواطنين .
لكن الارادة وحدها لا تكفي لتحقيق " الانتصار " في الحرب الارهاب ، مع الارادة ثمة الاستعداد و الجهوزية و ثمة أيضا فهم " الإرهاب الذي يتخذ من الدين عنوان له .
هذه الجماعات راكمت الى جانب التجربة العسكرية و القتالية  "رصيدا نظريا و فكريا ودعائيا  " اصبح يمثل حلقة مهمة في معركتها للتمكين ، هذا الرصيد هو الذي يمثل اليوم أداتها في الاستقطاب و تجنيد الشباب .
و بالعودة الى مختلف التجارب الجهادية من افغانستان  الى داعش  مرورا بتجربة القاعدة ، نقف على حقيقة أن هذه الجماعات  تطور دائما تجاربها و افكارها و تجد المداخل و المسالك لاستقطاب فئات أخرى ، حتى اصبحت قاعدة هذه الجماعات منفتحة على كافة الفئات من العاطل عن العمل الموظف و الاطار ، من ذوي المستوى التعليمي المحدود الى الحاصلين على الشهائد العلمية المتوسطة و العليا، من ابناء الاحياء الشعبية و الجهات الداخلية الى ابناء الأحياء الراقية و ابناء الميسورين ، من الشباب العربي الذي يعاني من الأنظمة الاستبدادية الى الشباب الاوروبي و الأمريكي .
ليس هذا تضخيما في قدرة هذه الجماعات على توسيع قاعدة تجنيدها ، انما ملموس .
في المقابل بقي الحديث عن مكافحة الارهاب  و اسباب انتشاره رهين قوالب لم تتطور منذ التسعينات ، ويتم ترديدها عند كل عملية ارهابية ، حتى أصبحت " محفوظة عن ظهر قلب" من المواطن  الذي يتابع البرامج الحوارية التلفزية و ما يقوله المحللين ويصرح به المسؤولين ، وهي :
الفقر و غياب التنمية هو مصدر الارهاب 
الفراغ الذي تركه " الاسلام السياسي المعتدل"
التصحر الديني بسبب سياسة بورقيبة وبن علي 
 هذه العناوين الكبرى مع بعض التفاصيل و الجزئيات الأخرى يتم دائما اعتمادها لتفسير بروز و توسع الارهاب المستند الى مرجعية دينية، واعتقد أنها فقدت " صلوحيتها" و اصبح من الضروري البحث في دوافع أخرى تفسر لماذا تتنامى هذه الظاهرة وتتوسع و تستقطب فئات مختلفة ؟ لماذا الاقبال على الموت تحت عنوان " نحب الموت كما تحبون الحياة" ؟ لماذا هذه القسوة و العنف المتمثل في النحر و الحرق و الرمي من اماكن عالية  و الافتخار بذلك و الاعتقاد أن ذلك تقرب من الله ؟
الاجابة عن هذه الاسئلة ليست في متناول أي كان ، لأن الظاهرة معقدة و تتداخل فيها عديد المقاربات  و تفكيكها بشكل سليم للوصول لاجا بات  تقريبية أعتقد انه يتطلب الخروج من القوالب القديمة .
أقول هي قوالب قديمة لأنه بالإضافة الى ترديدها منذ أكثر من عقدين فإن  ايضا  " قوالب سياسية" مصدرها اطراف سياسية فسرت بروز الظاهرة بما يتماشى  و نظرتها للملف .
الحديث عن الفقر و غياب التنمية و الاستبداد كأسباب رئيسية لانتشار الارهاب ، هو في الأصل محاججة سياسية  للأنظمة الحاكمة وتحميلها مسؤولية  انتشار الظاهرة ، وهو ايضا " تقدير" غربي لأسباب انتشار الظاهرة في مرحلة ما فقط في البلدان العربية الاسلامية .الفقر و غياب التنمية و الاستبداد لا يفسر اليوم  " هجرة الشباب الاوروبي والأمريكي الى دولة الخلافة ".
الفراغ الذي تركه " الاسلام السياسي المعتدل" لا يفسر اليوم ( بلدان الربيع العربي) هذا التوسع للجماعات المتشددة و " الاسلام السياسي المعتدل " يتحرك بحرية  بل وصل للحكم .
أما " التصحر الديني " فانه لا يفسر  نشأة " بوكو حرام" و مبايعتها لداعش  و لا يفسر ايضا التحول من المسيحية الى السلفية الجهادية .
اصبحت مقتنعا ان الارهاب الذي تمارسه الجماعات الجهادية هو " مشروع و فكرة" تطورت و توسعت وتأصلت في " غفلة " من الجميع.
 اقول في " غفلة" لأنه في الوقت الذي يؤصل فيه منظرو هذه الجماعات " مشروع الجهاد" فقهيا و شرعيا و سياسيا و تنظيميا و عسكريا ، كان الطرف الآخر يبحث عن " اسباب النشوء" في أماكن أخرى .
 

التعليقات

علِّق