لماذ نحطم أبطالنا؟

لماذ نحطم أبطالنا؟

لطالما كانت الرياضة أحد أبرز المصاعد الاجتماعية في تونس. على مر السنين نحت أبناء الأحياء الشعبية و المناطق الداخلية قصص نجاح من رحم المعانات. قصص الهمت أجيال و أصبحت مثال يحتذي به فكان المجد مضاعفا: فمن جهة يصبح هذا الرياضي او الرياضية مصدر فخر و اعتزاز لأهله و ذويه و الجهة التي ينحدر منها و من جهة أخرى يكنب التاريخ و يرفع راية البلاد في أرقى و أصعب المسابقات و البطولات العربية و القارية و الدولة. هم شباب اختاروا الطريق الأصعب من أجل تخليد إسم يبقى محفورا في ذاكرة سجلات ستبقى حجة علينا. تونس هذا البلد الذي يزخر بالطاقات و المواهب في عديد الميادين و الاختصاصات أصبحت في السنوات الأخير عقبة امام أبنائها حتى صرنا نسمع برياضيين عبروا الحدود خلسة و اخرين اختاروا الهروب من معسكرات في دورات دولية ... هجرة غير شرعية نحو المجهول هروبا من المجهول. هربوا من الشك الى غياهب عوالم قد تفتح لهم آفاق فرصة تسمح لهم بركوب مصعد يوصلهم الي الحلم المنشود الي العيش في مستويات الحد الأدنى المطلوب: حرية و كرامة. عديدة هي الاسماء و المواهب التونسية في السنوات الأخيرة التي هرولت الي وجهات راوا أنها يمكن ان تمنحهم ما يغنيهم عن السؤال و يحفظ ماء وجوههم. الخاسر الأكبر هو هذا الوطن الذي يفقد عصارة نوابغه و صفوة مواهبه لكن السؤال متى نتعلم الدرس؟ و كيف يمكن لنا ان نوقف هذا النزيف؟ القصص تتكرر و البيروقراطية المقيته لا تزال تجثم على مفاصل الرياضة التونسية حتى غدت مرضا عضال لا يمكن استاصالة. منذ اشهر قليلة طفت على السطح قصص تجنيس رياضيين على سبيل الذكر لا الحصر لاعب النادي الافريقي سابقا يوسف سنانة و لؤي الترايعي لاعب الاتحاد المنستيري... هاج و ماج الشارع الرياضي و شاهدنا محاكمات علنية في عديد المنابر الإعلامية وصمت اللاعبين بعدم الوطنية. لكن لا أحد طرح السؤال الجوهري ماذا لو كان الوطن هو من اخل بواجباته اتجاه ابناءه؟ ... ماذا لو انقطعت السبل بمن افنى عمره من أجل العلم و نحت في الاولمبياد اسمه من ذهب و شهد العالم على تمييزه أين ما حل و ارتحل؟ اليوم صرخة الم في عيد الفطر تاتينا ممن سطر بدموعه لحظات لا تنسى في اولمبياد باريس و كما قال "جبدت من العظم" اليوم البطل الاولمبي و العالمي فراس القطوسي يجد نفسه ضحية البيروقراطية. فراس أحد الذين سطروا الملاحم و حققوا الانجازات يجد نفسه ضحية تعقيدات الإجراءات الادارية و الادهى و الأمر ان فراس الي جانب العديد من ابطال رياضة التايكواندو، التي اصبحت مؤخرا من اكثر الرياضات استقطابا للشباب في تونس بفضل نجاحات القطوسي و الجندوبي و البقية، وجدوا أنفسهم محرومين من المشاركة في عديد المسابقات إلي ان جاءت القطرة التي افاضت الكأس و دفعت البطل العالمي الي ارسال صيحة فزع لعله يجد اذان صاغية تتفاعل مع هذه الوضعية. لن نلقى التهم و لن نحمل المسؤوليات لان تدوينة البطل العالمي و الاولمبي فراس القطوسي على حسابه الشخصي على الفايسبوك هي في حد ذاتها درس يلخص معانات رياضيي النخبة و ما حصل مع القطوسي ليس إلا عينة وجدت طريقها إلي الإعلام فما بلاك بمن لا صوت لهم فاضحوا ضحية و وئدت احلامهم قبل أن ترى النور. ابن مدينة الجديدة طرح عديد الأسئلة و كان محترفا كما عهدناه دائما و فيما يلي تدوينة بطل رياضة التايكواندو فراس القطوسي:

اليوم، بطل أولمبي تونسي يجد نفسه عاجزًا عن السفر… ليس بسبب إصابة، ولا ضعف في المستوى… بل بسبب تأشيرة! نعم، تأشيرة فقط يمكن أن تُحطم حلم سنوات من العمل، التضحيات، والعرق. إلى متى سيبقى الرياضي التونسي يقاتل وحده؟ إلى متى يُترك لمواجهة مشاكل إدارية ولوجستية لا علاقة له بها؟ نطالبه بالنتائج… نحاسبه على الميداليات… لكن، هل سألنا أنفسنا: هل وفّرنا له الظروف؟ هل سهّلنا له الطريق؟ هل دعمناه عندما احتاجنا؟ في شهر رمضان، أين يختار الجميع الراحة، لكن اخترت القتال : تمارين صباحية قاسية… تمارين مسائية أكثر قساوة… برنامج تحضيري دقيق دون انقطاع… انضباط صارم رغم الصيام والإرهاق… سعي متواصل للعب في ميزانين… وعمل يومي لتحسين ترتيبه العالمي، نقطة بنقطة، بطولة ببطولة… لأنه يعلم أن كل ترتيب، كل مشاركة، تقرّبه خطوة من حلم الأولمبياد  كل هذه التضحيات… من أجل هدف واحد: تشريف الراية التونسية. لكن، وببساطة… بسبب عدم إيداع ملف التأشيرة في وقته، يتبخر كل شيء! الرياضي في تونس أصبح مطالبًا بكل شيء: أن يكون بطلًا أن يُدبّر تحضيراته بنفسه أن يحلّ مشاكله الإدارية أن يبحث عن تمويل وأن يصمت… حتى لا يُتّهم! وفي النهاية… عندما يصل إلى المطار، يُمنع من السفر. وعندما ينجح رغم كل شيء… الجميع يريد صورة معه! أي منطق هذا؟ الألعاب الأولمبية لا تُلعب في لوس أنجلوس فقط… بل يبدأ التحضير والتخطيط لها منذ 2025، يومًا بيوم، تضحيةً بتضحية، وبناء ترتيب عالمي يُصنع بعرق اللاعبين لا بالصدفة. الرياضة ليست فقط نتائج… هي منظومة، دعم، تخطيط، واحترام لإنسان يرفع راية البلاد اليوم، هذا الرياضي لا يعرف: لمن يتوجه؟ من ينصفه؟ من يسمع صوته؟ كفى صمتًا. كفى تجاهلًا. الرياضي التونسي يستحق أكثر من هذا.

 

 

أحمد فارس

التعليقات

علِّق