لماذا يصرّ بعض رجال الأمن في تونس على التفكير بمنطق " القمع " و" العنف " ؟

يبدو أن بعض الأمنيين في تونس مازالوا لم يعدّلوا " عقارب ساعاتهم " على زمن الثورة ويصرّون بين الحين والآخر على الاساءة للمؤسسة الامنية من خلال ارتكاب ممارسات العهد النوفمبري البائد التي ثار عليها الشعب التونسي .
وجاءت أحداث أمس الثلاثاء بشارع الحبيب بورقيبة بالعاصمة " آخر معاقل الثورة التونسية " لتسقط القناع عن بعض الامنيين الذين تعاملوا مع مسيرة سلمية مناهضة لقانون المصالحة بالعنف والقمع والشتائم المبالغ فيها رغم ان المشاركين في المسيرة كانوا من الأجانب و الشباب والشابات ونشطاء المجتمع المدني المسالمين .
عديد الصور ومقاطع الفيديو تناقلتها وسائل الاعلام المحلية والعالمية أثارت اشمئزاز الحقوقيين حيث شوهد بعض أعوان الأمن يتفنّنون في استعمال" التبوريب " و " الماتراك " والشتائم لتفريق المتظاهرين ، والغريب في الامر ان البعض منهم استعمل الدراجات النارية لدهس المتظاهرين وتفريق الصفوف وهي سابقة اولى تشهدها المسيرات المقموعة في تونس منذ هروب الرئيس المخلوع .
صحيح ان الشعب التونسي بكل مكوّناته صار موحّدا في دعم المؤسسة الامنية في حربها على الارهاب لكن ذلك الدعم لا يمكن ان يمنحهم " صكّا على بياض " ليرتكبوا في حق الشعب ممارسات العهد السابق سواء بقمع المسيرات بكل وحشية أو مصادرة الحريات أوعدم محاسبة الاعوان المورطين في الاعتداء على المواطنين المسالمين او الصحفيين او غيرهم ، فالثورة التونسية قامت بدرجة اولى ضدّ كل مظاهر الاستبداد والقمع وبالخصوص ممارسات " بوليس بن علي " ثم جاءت الثورة لتعقبها مصالحة مع المؤسسة الامنية بعد أن أعلنت جلّ قياداتها " التوبة " وعدم العود لارتكاب تلك الممارسات ، واثرها فتح الشعب التونسي صفحة جديدة في علاقته مع الامنيين ، فهم جزء لا يتجزّأ من هذا الوطن وهم درع يحمي المواطن ويسهر على فرض القانون ، لكن يبدو ان عودة الشطحات القديمة قد تتسبب مجددا في زعزعة الثقة بين الامني والمواطن والعودة بها الى نقطة ما قبل الثورة .
ان الاشكال بين الشعب التونسي والمؤسسة الامنية لم يكن يوما سببه تفريق المسيرات او منع التظاهر ، بل يكمن في مخالفة بعض الاعوان القانون ورفضهم التفكير خارج دائرة " العنف " و " القمع " ، فلا يعقل ان تتكرر مشاهد العنف والضرب والشتائم للمتظاهرين ثم اقتياد العديد منهم الى سيارات الشرطة بكل وحشية وكأنهم مجرمون او لصوص او ارهابيون ؟!
فهناك قوانين وأساليب متطورة لتفريق المسيرات السلمية دون عنف او قمع او اصابة المتظاهرين بأي أذى كما هو معمول به في الدول الديمقراطية التي تحترم شعبها ، أما الدول المتخلفة والدكتاتورية فهي تعامل شعوبها " كالبهائم " ودون اي شفقة أو رحمة أو احترام للقانون . .
وختاما كشفت جريدة mediapart الفرنسية ان اكثر من 100 ألف موقوف منذ بداية السنة الحالية وان عددا من الموقوفين تعرضوا للتعذيب اثناء استنطاقهم الى جانب حدوث حالات وفاة في السجون التونسية ، وهنا ندعو شرفاء وزارة الداخلية من قيادات أو أمنيين ميدانيين الى التبرّؤ من تلك التصرفات " الفردية " والى التحرك بحزم لوضع حد لتلك التجاوزات حتى لا يفيض صبر المواطن التونسي وتخرج الاوضاع مجددا عن السيطرة ، وندعو الحكومة الحالية بكل مكوناتها الى توضيح موقفها من هذه التصرفات المرفوضة قبل ان يستشري القمع مجددا في صفوف المؤسسة الامنية ، ويصبح كما كان عليه في السابق " عقلية بوليسية ..
شكري الشيحي
التعليقات
علِّق