لماذا نحتاج "للمحاكم المختلطة " لردم الثقوب السوداء التي خلّفها الإرهاب العابر للحدود؟

لماذا نحتاج "للمحاكم المختلطة " لردم الثقوب السوداء التي خلّفها  الإرهاب العابر للحدود؟

بين أزقة "الرقّة" وساحات "الموصل" التي شهدت فظائع لا يستوعبها عقل، نبتت معضلة قانونية وإنسانية شائكة، لم تكن مجرد ملفات قضائية تراكمت فوق المكاتب، بل تحولت إلى ما يمكن تسميته "بالتيه القانوني الأكبر" في العصر الحديث. لم يكن الأمر نزاعاً مسلحاً تقليدياً تنتهي آثاره بانتهاء المعارك، بل كان انفجاراً عابراً للحدود، تمدد فيه ما عُرف ب"تنظيم الدولة" من الرقة السورية إلى الموصل العراقية، في فضاء جغرافي واحد تكاد حدوده السياسية تتلاشى أمام وحدة المشهد الدموي.

نحن نتحدث عن "العائدين" من تلك الثقوب السوداء، أولئك الذين انصهروا في عقيدة الدم حاملين معهم تركة ثقيلة من الجرائم التي تتجاوز الحدود وتتحدى السيادات الوطنية. عودة هؤلاء لم تكن مجرد حركة انتقال جغرافي، بل نقلٌ لإشكال قانوني مركّب : جرائم ارتُكبت في أراضٍ منهارة مؤسساتياً، بأدلة متناثرة، وضحايا ما زالوا يعيشون الصدمة، في حين أن دول المنشأ مطالبة  هى أيضا  بعدم ترك فراغ عقابي قد يتحول إلى تهديد جديد.

في هذا المشهد الضبابي، يبرز تخبّط واضح بين مطرقة القرارات الدولية وسندان الفقه الجنائي الدولي. فقد تبنّى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرارات مفصلية، أبرزها القرار 2178 (2014) الذي ألزم الدول بتجريم الانضمام والسفر لأغراض إرهابية وملاحقة العائدين، والقرار 2396 (2017) الذي شدد على جمع الأدلة وتبادل المعلومات وتعزيز آليات المحاكمة وإعادة الإدماج، إضافة إلى القرار 2379 (2017) الذي أنشأ فريق التحقيق الدولي لتعزيز المساءلة عن جرائم تنظيم داعش في العراق، تمهيداً لاستخدام الأدلة أمام جهات قضائية مختصة.

هذه القرارات، وإن لم تنص صراحة على مبدأ الولاية القضائية لدول جنسية المقاتلين، إلا أنها كرّست بصورة غير مباشرة هذا الاتجاه، فحين يُلزم مجلس الأمن الدول بتجريم أفعال ارتُكبت خارج أقاليمها، وبملاحقة مواطنيها العائدين، فإنه يعزز عملياً مبدأ الولاية القائمة على الجنسية (الشخصية الإيجابية)، ويدفع الدول إلى تحمّل مسؤولية قانونية تجاه أفعال ارتكبها رعاياها في الخارج، غير أن هذه المقاربة، لم تحسم الإشكال البنيوي المتعلق بجهة الاختصاص الأنسب، ولا بكيفية التوفيق بين مقتضيات السيادة ومستلزمات العدالة الدولية.

وهنا يتجلى التنازع التقليدي بين مبدأ "إقليمية العقاب" ومبدأ "الشخصية الإيجابية". فإقليمية العقاب تعني أن الدولة صاحبة الإقليم الذي ارتُكبت عليه الجريمة هي الأَولى بالاختصاص، لأن الفعل مسّ نظامها العام ووقع ضمن ولايتها الترابية، ولأن الأدلة والشهود والسياق الاجتماعي متوافرون فيها. هذا المبدأ يعكس صميم السيادة، ويضمن أن العدالة تُمارَس في المكان الذي جُرحت فيه الكرامة الإنسانية.

أما مبدأ "الشخصية الإيجابية" فيقوم على حق الدولة - بل واجبها أحياناً - في ملاحقة رعاياها عن جرائم ارتكبوها خارج حدودها، تأسيساً على رابطة الجنسية، وهو مبدأ يُفعَّل عادة عندما يتعذر التطبيق الفعلي لإقليمية العقاب، أو عندما ترى الدولة أن أمنها القومي مهدد بعودة أشخاص تورطوا في جرائم خطيرة، الا أن هذا المبدأ يواجه إشكالات عملية، أبرزها صعوبة جمع الأدلة من مسارح نزاع مدمرة، وتعقيد تكييف الأفعال وفق تشريعات وطنية قد لا تتضمن توصيفاً دقيقاً لجرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية.

وبين المبدأين تتسع فجوة عملية حقيقية : دول النزاع ( كسوريا والعراق ) عانت من هشاشة مؤسساتية وضغط أمني هائل، فيما دول العودة تواجه قيوداً إجرائية صارمة ومعايير إثبات عالية  قد تفضي إلى محاكمات تقتصر على جرائم الانضمام أو التمويل، دون أن تعكس جسامة الجرائم الدولية المرتكبة، وهنا يكمن الخلل : عدالة مبتورة هنا، وعدالة مثقلة هناك.

خلافا لما يروّج فى عدد من المنابر الاعلامية فان العراق، على وجه الخصوص، معنيٌّ بشكل مباشر بهذا الملف، باعتبار أن امتداد تنظيم الدولة من الرقة إلى الموصل جعل الجرائم المرتكبة على أرضه جزءاً من مشهد إرهابي عابر للقارات : آلاف الضحايا سقطوا في الموصل وسنجار والأنبار، والأدلة والشهادات والقبور الجماعية كلها حاضرة في الإقليم العراقي، ومن ثم فإن إعمال مبدأ "إقليمية العقاب" يمنح العراق أولوية طبيعية في الاختصاص، غير أن الطابع الدولي للتنظيم، وتعدد جنسيات المقاتلين، يفرضان مقاربة لا تكتفي بالإطار الوطني الخالص.

من هنا يبرز مقترح "المحاكم المختلطة" كصيغة توفيقية تتجاوز هذا الاستقطاب. وقد أثبت هذا النموذج نجاعته بصورة مركزة في "المحكمة الخاصة بسيراليون" التي حاكمت قيادات عليا عن جرائم حرب أمام هيئة مشتركة وطنية-دولية، وكذلك في "الدوائر الاستثنائية في محاكم كمبوديا" التي دمجت قضاة وطنيين ودوليين لمحاكمة مسؤولي نظام "الخمير الحمر". في هاتين التجربتين، لم يكن الهدف انتزاع العدالة من سياقها المحلي، بل تعزيزها بخبرة ومعايير دولية تضمن توصيف الجرائم وفق القانون الدولي الإنساني وقانون حقوق الإنسان.

إن الاستئناس بهذه النماذج في السياق العراقي - مع مراعاة خصوصيات كل تجربة - يمكن أن يحقق موازنة أدق بين إقليمية العقاب واحترام المعايير الدولية. لنفترض على سبيل المثال لا الحصر محكمة تُعقد على الأرض العراقية، بتشكيلة قضائية وطنية مدعومة بقضاة وخبراء دوليين، يتيح محاكمة إحدى الجنسيات المعنية بالملف في مكان ارتكاب الجريمة، مع ضمانات إجرائية معترف بها دولياً، بذلك يتحقق الاعتراف بحق الإقليم في القصاص، مع انصاف الضحايا واستيعاب الطبيعة العابرة للقارات للإرهاب، التي تجعل الجريمة شأناً يتجاوز حدود الدولة الواحدة.

في هذا المعنى، "المحكمة المختلطة" ليست حلاً وسطاً هشّاً، بل بنية قانونية مركبة تجمع بين الشرعية المحلية والرقابة الدولية، بين معرفة الأرض وسياقها الاجتماعي، والخبرة التقنية في توصيف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب، كما تمنح الضحايا شعوراً بأن العدالة تُنجز على تماس مع جغرافيتهم وذاكرتهم، وتمنح دول الجنسية مخرجاً قانونياً يضمن عدم الإفلات من العقاب دون أن تتحمل منفردة عبء محاكمات معقدة عابرة للحدود.

إن التحدي لم يعد في سنّ القواعد، فالإطار الدولي قائم، والقرارات الأممية واضحة في رفض الإفلات من العقاب، بل في ابتكار آلية مؤسسية تردم الهوة بين الإقليمية والشخصية، بين السيادة والمسؤولية المشتركة، عدالةٌ تتنفس من روح الواقع، وتستوعب دروس التجارب المقارنة، وتعيد وصل ما انقطع بين الأرض التي نزفت، والدول التي خرج منها الجناة، لتصوغ استجابة قانونية تليق بحجم المأساة وتعقيدها.

 

*محجوب لطفى بلهادى مختص فى التفكير الاستراتيجى و المقرّر العام ورئيس قسم الأمن السيبرانى السابق "للمركز التونسى لدراسات الأمن الشامل"

التعليقات

علِّق