دولة أوروبية تستعد لتسوية اقامة أكثر من 500ألف مهاجر على أراضيها

في خطوة وصفت بأنها الأكثر جرأة على مستوى أوروبا، أعلنت الحكومة الإسبانية عن برنامج جديد لـ"تسوية أوضاع" مئات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، في تحول لافت يهدف إلى إرساء "دولة أكثر عدالة وإنسانية"، بحسب وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز.
أثار القرار الذي اتخذته مدريد جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية الأوروبية، وفتح الباب أمام مواجهة جديدة بين اليسار واليمين حول مستقبل الهجرة في القارة.
وصف رئيس الوزراء بيدرو سانشيز الخطوة بأنها مسار للكرامة والعدالة، مضيفاً: "يتهموننا بالمبالغة، لكن منذ متى أصبح الاعتراف بالحقوق أمراً راديكالياً؟".
وتبرز إسبانيا هنا كاستثناء في أوروبا؛ ففي حين تمضي دول مثل فرنسا وألمانيا وإيطاليا نحو تشديد شروط الإقامة واللجوء، تتخذ مدريد منحى أكثر انفتاحاً. وتسمح الخطة الجديدة للمهاجرين – بمن فيهم طالبي اللجوء – بالتقدم بطلبات التسوية بشرط إثبات الإقامة لخمسة أشهر فقط وامتلاك سجل جنائي نظيف، وذلك خلال الفترة من أبريل حتى نهاية شهعر جويلية.
أغلب المهاجرين غير النظاميين في البلاد من أبناء أميركا اللاتينية، خصوصاً من كولومبيا والبيرو وهندوراس.
يأتي قرار سانشيز في وقت يتصاعد فيه القلق الشعبي من الهجرة. وقال مدير قسم استطلاعات الرأي في "إبسوس" بإسبانيا، باكو كاماس، إن الهجرة أصبحت قضية رئيسية لدى الناخبين. "إنه ملف مريح لليمين ومحرج لليسار"، على حد تعبيره.
لكن البرنامج الجديد، بحسب كاماس، يمنح الحكومة سياسة ملموسة يمكن الدفاع عنها في مواجهة صعود الخطاب اليميني في أوروبا والغرب.
ويبدو أن سانشيز يسعى لترسيخ صورته كزعيم تقدمي، بعدما تصدر المواقف الأوروبية الأكثر انتقاداً لعمليات إسرائيل في غزة، ورفض دعوة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لرفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي، إضافة إلى وعوده الأخيرة بمحاصرة نفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى وملاحقة انتهاكاتها المحتملة.
إلى جانب البعد الإنساني، يرتكز القرار على حسابات اقتصادية واضحة. فاقتصاد إسبانيا كان واحداً من أسرع اقتصادات أوروبا نمواً بعد جائحة كورونا، إذ سجل الناتج المحلي نمواً يقارب 3% في 2025، بينما هبط معدل البطالة دون 10% لأول مرة منذ 2008.
وتؤكد الحكومة أن المهاجرين أسهموا بشكل جوهري في هذا الأداء. وتشير مؤسسة "فونكاس" البحثية إلى أن نحو نصف النمو الاقتصادي منذ 2022 يعود إلى العمالة المهاجرة. كما قدر البنك المركزي الإسباني في تقرير عام 2024 أن البلاد ستحتاج إلى نحو 25 مليون مهاجر خلال العقود الثلاثة المقبلة للحفاظ على نموها واستدامة نظام الضمان الاجتماعي.
وكتب رئيس الوزراء في مقال رأي بمجلة "نيويورك تايمز": "الغرب يحتاج الناس... بدون الهجرة ستواجه الدول الغربية انهياراً ديموغرافياً يعجزها عن تمويل خدماتها العامة".
رغم هذه الحجج، ترفض المعارضة اليمينية المشروع بشدة. زعيم حزب "فوكس" اليميني المتطرف سانتياغو أباسكال وصفه بأنه "جزء من غزو يدمر البلاد".
أما حزب الشعب المحافظ (PP)، الذي كان قد دعم سابقاً خططاً مشابهة وشرع إقامة لأكثر من نصف مليون مهاجر بين 2000 و2001، فقد غير موقفه تحت ضغط اليمين المتطرف، محذراً من أن البرنامج الجديد "سيزيد من تأثير الجذب ويثقل كاهل الخدمات العامة". وقال زعيمه ألبرتو نونيز فيخو إن الحكومة "تكافئ المخالفين للقانون".
وتشير تقديرات حديثة إلى أن عدد المستفيدين قد يفوق بكثير توقعات الحكومة. فمؤسسة "فونكاس" تشير إلى وجود أكثر من 837 ألف مهاجر غير نظامي في 2025، بارتفاع كبير مقارنة بعام 2017. بينما قدر تقرير مسرب من المركز الوطني للشرطة لشؤون الهجرة والحدود أن عدد الطلبات قد يتراوح بين 750 ألفاً و1.1 مليون شخص.
التعليقات
علِّق