تونس و الصين 60 سنة من الصداقة و التعاون .. في انتظار المنعرج القادم ...

تونس و الصين 60 سنة من الصداقة و التعاون .. في انتظار المنعرج القادم ...

تصادف هذه السنة الذكرى الستين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين تونس و الصين 1964  -2024 .و يذهب المختصون في  العلاقات الدبلوماسية و خبراء الاقتصاد الى أهمية توطيد هذه العلاقة اكثر فاكثر ،لما لها من فائدة على البلدين الصديقين حيث تتمتع العلاقات التونسية الصينية  بآفاق واسعة و يحرص الطرفان خاصة في العشر سنوات الأخيرة  على تعزيز التبادل بمختلف اشكاله و توسيع التعاون الثنائي الشامل الأبعاد. و هذا ما أكده الجانبان في عدة مناسبات رسمية و من خلال التصريحات الإعلامية .

صحيح ان تونس والصين أقامتا علاقات دبلوماسية رسمية بتاريخ  10 جانفي  1964، حيث انطلق التعاون متعدد الأبعاد ليشمل مجالات مختلفة و متنوعة  إلا أن هذا التعاون لم يصل بعد إلى الذروة المطلوبة  التي تتناسب مع الفرص الحقيقية للتعاون بين البلدين الصديقين. و يعود ذلك حسب عدد من المهتمين بالشأن الدولي الى تأثير الغرب وكذلك للخيارات السياسية للرئيس الراحل الحبيب بورقيبة حيث كان يؤكد على أن مصير البلاد  ومستقبلها  مرتبطان ارتباطا وثيقا بالغرب دون سواه ، مما جعله يحافظ معه على علاقات دبلوماسية وتجارية جيدة . هذه السياسة المعتمدة آنذاك والتي تنفر من الشيوعية و تقرب غيرها مثل  فرنسا والولايات المتحدة، جعلت التقارب بين تونس وبكين لا يرتقى للمستوى المطلوب  .

و حتى مع الرئيس الراحل زين العابدين بن علي فلم ترتقي العلاقات الثنائية لتطلعات الجانب الصيني حيث اخذ بن علي نفس التوجه المعتمد من طرف بورقيبة عدى بعد الخطوات المحتشمة .

*2011 العلاقات تدخل مرحلة جديدة من النضج

و أدى  اندلاع  الثورة سنة  2011 إلى تباطؤ دبلوماسي مؤقت ثم  تعززت العلاقات التونسية الصينية بشكل ملفت. وقد دخلت هذه العلاقات مرحلة جديدة من النضج حسب عدد من المختصين في العلاقات الدولية ، بعد تخلص تونس التدريجي من النفوذ الغربي، ووعيها بأهمية الانفتاح على شراكات جديدة مثل التعاون مع العملاق الآسيوي .

 و قد  أظهرت تونس بوضوح رغبتها في تطوير تعاون أعمق وأكثر نجاعة  مع الصين يسوده  الاحترام المتبادل.  خاصة اننا نشترك و نتقارب في توجهات عديدة مثل عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول ، اضافة الى وجود توافق في  الرؤى بشأن القضايا الدولية الكبرى لعل من ابرزها القضية الفلسطينية التي تحظى بدعم ثابت و لا مشروط من قبل البلدين الصديقين  .

و كانت بكين قد أعلنت  على لسان سفيرها بتونس "وان لي" جانفي الماضي انها مستعدة للعمل مع الجانب التونسي لتوطيد  العلاقات الدبلوماسية و الاقتصادية و التجارية و الثقافية و لترسيخ التوافق المهم الذي تم التوصل اليه خلال اجتماع جمع رئيسي البلدين و ذلك بهدف رفع سقف العلاقات الدبلوماسية عاليا .

و من جانبها حرصت تونس على دفع عجلة التبادل الاقتصادي و الثقافي و السياحي الذي يمكن تطويره مستقبلا اكثر فاكثر. و قد عرفت بلادنا تزايد عدد الوافدين من الصينيين منذ سنة 2017  و خاصة بعد الغاء التأشيرة بنسبة وصلت الى 10 بالمائة حسب تقارير رسمية. كما توجت مؤخرا تمثيلية الديوان الوطني التونسي للسياحة في بكين كأحد أفضل مكاتب السياحة في الصين لسنة 2023.

 نقاط عديدة تجمع الصين بتونس و تعزز العلاقات من بينها توجه البلدين نحو نفس الأهداف و هي التنمية الاقتصادية و تحسين جودة الحياة و تكريس العدالة و المساواة في ظل عالم يشهد العديد من التقلبات و الأزمات.  وتشدّد الصين على أهمية بناء مفهوم مجتمع و مصير مشترك للبشرية يرسي أسس  التنمية و السلام و الأمان و الانفتاح و يسعى لبناء عالم جديد من أجل تعزيز الرخاء المشترك. فتطوير العلاقات مع تونس هو جزء من استراتيجية صينية متكاملة تهدف لفتح مرحلة جديدة من العلاقات مع دول المنطقة سواء العربية او الافريقية.وقد عززت تونس والصين علاقاتهما من خلال مبادرة الحزام والطريق ، منتدى التعاون الصيني الأفريقي،  منتدى التعاون الصيني العربي.  

*مشاريع مميزة و تعاون اقتصادي ينتظر دفعة

كما تجسدت  الرغبة في دفع العلاقات التونسية الصينية في العديد من المشاريع والاستثمارات الصينية في تونس ولعل من بينها التعاون الصيني التونسي  في مجال النفط ، مركز "بيدو" للملاحة عبر الأقمار الصناعية وهو أول مركز صيني من نوعه في الخارج ، سد الكبير ، المستشفى الجامعي بصفاقس ،مقر الأرشيف الوطني التونسي ،موقع التصرف في النفايات ببنزرت ،المعهد العالي للدراسات التكنولوجية بالكاف ،مركز الشباب الرياضي والثقافي المنزه ، والأكاديمية الدبلوماسية الدولية بتونس و يعتبر هذا المشروع مكسبا هاما لتدريب الكفاءات التونسية و العربية و الأفريقية كما يعتبر أيضا منصة مفتوحة للعالم في قلب تونس ستسهم في دفع الشؤون الدبلوماسية ببلادنا .و قد علمنا بوجود توافق بخصوص عدد من المشاريع الأخرى لعل من بينها انجاز مركز علاج الأورام السرطانية في قابس الذي صار ضرورة ملحة بالنسبة لهذه الولاية على وجه التجديد. و لا ننسى فوز الصين مؤخرا  بصفقة انجاز جسر بنزرت الذي يعتبر شريان  هذه الولاية .

هذه المشاريع التي أطلقتها الصين في تونس، والمتعلقة بمجال البنية التحتية و تطوير وإنشاء عدد من المباني المدنية ، اضافة الى توقيع اتفاقيات وبرامج للتعاون و استعداد الصين لمساعدة تونس في تنفيذ بعض المشاريع الكبرى ، يعكس سياسة "اليد المفتوحة" التي ينتهجها دائما العملاق الآسيوي مع بلادنا رغبة منه في مزيد استمرار العلاقات الجيدة و تطويرها لما فيه خير للبلدين .

و تجدر الإشارة الى ان هذا التمشي من الجانبين اثر على المبادلات الاقتصادية عموما و اسهم في تغيير الأرقام  سنة بعد سنة  حيث تم مثلا تسجيل ارتفاع في نسبة الواردات التونسية من الصين خلال السنوات الأخيرة بشكل كبير مما أثر على الميزان التجاري و جعل من الصين الشريك الاقتصادي الثالث لتونس بعد فرنسا و إيطاليا حسب المعهد الوطني للإحصاء.و دفع الى التفكير في تطوير صادراتنا نحو الصين لتعديل الموازنة و لو نسبيا خاصة في مجال المنتوجات الفلاحية مثل  زيت الزيتون التمور و القوارص ....

كما كشفت قاعدة البيانات الإحصائية لتجارة السلع الأساسية للأمم المتحدة عن ارتفاع هائل في مستوى التبادل التجاري بين تونس و الصين بداية من سنة 2000 الى 2010 من 250 مليون دينار الى 1530 مليون دينار.  سنة 2011 كسرت الصادرات الصينية الى تونس حاجز الملياري دينار في نسق تصاعدي ملفت بلغ 4330.6 مليون دينار سنة 2017 و ظلت الصادرات التونسية الى السوق الصينية ثابتة تقريبا.

وقد برزت الصين ضمن قائمة الشركاء التجاريين العشر الأوائل سنة 2008 ب 3.7% من اجمالي واردات تونس ثم تقدمت للمرتبة الثالثة سنة 2011 في انتظار مزيد من العمل على دفع الجانب الاقتصادي اكثر فاكثر .

و مع ذلك يؤكد خبراء الاقتصاد في تونس إمكانية  دفع الشراكة الاقتصادية نحو ما هو  افضل لتكون الصين في قائمة الدول التي تستثمر بنشاط أكبر في تونس من خلال الترفيع في عدد الشركات الصينية الناشئة في بلادنا و الرفع من حجم الاستثمارات و أيضا المبادلات التجارية . و لعل نجاح شركة هواوي الصينية العملاقة للهواتف المحمولة في تونس، و تغطيتها لما يقارب 15 في المائة من السوق المحلي للهواتف الذكية خير دليل على مرونة التعامل في هذا الاتجاه .

*ونيس: استفدنا كثيرا من خيار الصين في التواجد بأفريقيا

وقد  اتصل موقع الحصري بالدبلوماسي  ووزير الخارجية الأسبق أحمد ونيس الذي أكد أن التعاون التقليدي بين تونس و الأطراف الأوروبية و أوروبا القطرية كالدول الإسكندنافية و ألمانيا و غيرها يخدم كل الأطراف و ليس بمعزل عن غيره من الشراكات .فتونس منفتحة دائما و تسعى الى توسيع قوس التعاون لتجاوز العقبات الجغرافية مؤكدا ان  الصين من بين البلدان التي أبدت استعدادها لإلغاء هذه العقبات .

و أضاف : بلادنا تتمتع بسمعة جيدة فمجتمعنا متفتح و هذا ما يخدمنا إقتصاديا و سياسيا و أمنيا.  لقد استفدنا استفادة كبيرة من الخيار الذاتي الصيني في أن تكون متواجدة في افريقيا لكي لا يكون القطر الأفريقي معزولا عن علاقاتها مع دول العالم. و هذا يخدم مصلحتها أيضا فالقطر الأفريقي لديه أكثر من 50 صوت بالأمم المتحدة  فبقدر ما تكون العلاقة وثيقة و تخدم مصالح الدول الأفريقية فإن افريقيا تعزز مواقف الصين في الأمم المتحدة و في المواجهات العالمية .

الصين ترغب من خلال مشروعها العظيم الذي أطلقته منذ عقد من الزمن " طريق الحزام و الطريق " بث ثقافة المصلحة المشتركة التي تخدم الطرفين إضافة إلى عزمها على  بلوغ هذه الغاية. و قد تأكدنا من الزاوية التونسية الداخلية ان التعاون الصيني مع تونس و إنجاز المشاريع الكبرى من خلال وكالات و مبادرات و اليات صينية مفيد حقا للمجتمع التونسي أكثر من أطراف أخرى. فلو عوضنا الصين بدولة غيرها و قمنا بالمقارنة لوجدنا أن التعاون مع الصين يفيد تونس أكثر من التعاون مع دولة أخرى.

كما قد تأكدنا بشكل واضح و لا يحمل مجالا للشك أن التعاون مع الصين ليس تعاونا تقليديا حيث تضع الصين ٱليات جد متطورة للتعاون . فهي تكسب التقنيات الحديثة و تضعها على ذمة الاقتصاد الصيني و المجتمعات التي تتعامل معها بما فيها تونس .فالتعاون الفني و الاقتصادي مع الصين يضعنا في مكانة متقدمة من التقنيات المتطورة و الثقافة العالمية.

و أضاف الدبلوماسي السابق : لما عرض وزير الخارجية التونسي على نظيره الصيني مشروع الأكاديمية الدبلوماسية الدولية سنة 2015 أجاب بالقبول و بتكفل الصين بهذا المشروع كهدية للدبلوماسية التونسية . و لا ننكر فضل الصين في هذا المشروع الكبير و تسليمها إياه في الموعد و هذا ما يثبت جدية التعاون و التعاملات المثمرة و يجب ان لا ننسى الهبات أيضا.

و ختم ونيس كلامه قائلا:  مع تعاقب السفراء على بلادنا  تسير الأمور دائما بدعم قوي من الجانب الصيني. و مهما كانت الإمكانيات التونسية و المقابل الذي تقدمه الدولة التونسية فالتعاون الصيني ثابت لا يتخلف و لا يتقاعس .و عندما تعزم الصين على إنجاز مشروع ما فهي تنجزه مهما كانت الالتزامات مع الطرف المقابل و هذا ما نكبره كثيرا .

*رافع الطيب : الصين تتعامل معنا الند للند

موقع  الحصري اتصل أيضا بأستاذ العلوم الجيوسياسية بالجامعة التونسية  و الخبير في العلاقات الدولية رافع الطيب حيث أكد أن كل إستراتيجيات الصين اليوم تختزل في المشروع الكبير وهو " عقد اللؤلؤ و طريق الحرير" و تونس منذ حوالي 7 سنوات انخرطت في هذا المشروع الذي هو تشبيك كبير على مستوى العالم .مضيفا ان  تونس لها أوراق قوة خارقة للعادة يمكن ان تستثمرها في هذا الإتجاه. و تابع قائلا : هذا المشروع الصيني يمر على مقربة من سواحلنا و الصين عبرت صراحة أنها ترى في تونس البوابة الرئيسية التي تفتح على افريقيا و أوروبا و المغرب العربي و المشرق العربي و بالتالي تونس هي إحدى نقاط الارتكاز الأساسية لدى الصين و التي تشتغل عليها. الصين اليوم ترسل رسائل جدية إلى تونس من خلال مشاريع البنية التحتية و الفوقية التي تقدمها وهي تسعى لاستقطاب الجانب التونسي لما فيه خير للبلدين.

و أضاف الخبير في العلاقات الدولية: يجب أن نعي جيدا اليوم أنه على مستوى العالم ليس هناك إختيار إما الشرق أو الغرب فهذه الأحاديث مردودة على أهلها و تنتمي إلى المدارس القديمة في العلاقات الدولية التي تجاوزها الزمن . على المستوى العالمي اليوم  الجميع يتحدث عن " تعدد الشراكات" الذي يجعل دولة ما إنطلاقا من قناعاتها و مبادئها و قيمها و خاصة مصالحها تربط علاقة مع هذا الطرف أو ذاك لبلوغ  توازن يحفظ للبلاد مصالحها و سيادتها

و تابع الطيب قائلا: هناك أمور أخرى تهم الصين في تونس فالفسفاط التونسي أفضل فسفاط بالنسبة للصين و قد دخل هذا البلد الصديق في الجنوب التونسي كما خصص اعتمادات بلغت 1.7 مليار دولار كإستثمار بالجزائر لتطوير العمل في مجال الفسفاط . و في المدة الأخيرة المجموعة الصينية العملاقة "علي بابا" اختارت تونس كموقع لتطوير أعمالها.و الصين في إطار مشروعها الكبير تريد تطوير البنى التحتية وفق ما يسمى بتشبيك العواصم حيث  كانت أكبر الداعمين للطريق العابرة للصحراء التي ربطت تونس بالجزائر النيجر نيجيريا وصولا الى خليج غينيا .

و لعل فوز الصينيين بصفة جسر بنزرت دليل على بذل هذا البلد الصديق مجهودات واضحة لدفع التعاون الثنائي و مراهنة الصين على هذا المشروع في بنزرت ليس صدفة لأنه يدخل ضمن التصور العام للخارطة الجديدة و تطورهم في منطقتنا . فبنزرت و المواني التونسية من أكثر المناطق الإستراتيجية بالنسبة إليهم و لديهم تطلع كبير ليكونوا شركاء تونس في مثل هذه المشاريع الكبرى. الصين تتعامل معنا الند للند فلا وجود لتدخل في الشأن الداخلي و لا في حرياتنا أو في الأمور التي تهم مجتمعنا و تركيبتنا المجتمعية .عكس بعض الدول الأخرى التي تقدم الأموال أو المساعدات و تريد أن تفرض حتى الهندسة الإجتماعية الخاصة بنا.

و ختم  أستاذ العلوم الجيوسياسية بالجامعة التونسية  كلامه قائلا: مع الأسف هناك تجاذبات وعدم وضوح على مستوى إستراتيجيات العلاقات الدولية في تونس لأننا نعيش فترة تحول و مازلت البعض من الأطراف المتنفذة في الدبلوماسية التونسية مرتبطة أشد ارتباط بالمحور الغربي و لا علم لها أو لا قناعة لها بأن العالم يتحول ، و هناك قطيعة براغماتية على مستوى العالم يجعل الصين اليوم هي الدولة الأكثر إنماءا . و لبلوغ ذروة التعاون في العلاقات الثنائية يجب التخلص كليا من هذه العقلية البالية  و يجب أن تعمل تونس في إطار مشروع كبير على مستوى التنمية مع تقديم ملفات مكتملة واضحة المعالم للجانب الصيني لتسهيل هذا التعاون الثنائي .

تونس موقع استراتيجي مميز جدا و تاريخ عريق لبلد صغير يعج بالكفاءات العالية و يزخر بالموارد ، من الضروري اليوم ان ينتهج سياسة رصينة في العلاقات الدولية و في اختيار شركاءه  بدقة في الوقت الذي يشهد فيه العالم تغيرات عميقة .و الصين من بين الدول الصديقة التي وجب وضعها على راس قائمة الشركاء مستقبلا طبعا في انتظار تؤكد مواصلة تغيير السياسات الخارجية لتونس بابتعادها عن سيطرة الغرب و التوجه اكثر نحو العملاق الآسيوي   .

ايناس المي

التعليقات

علِّق