الغاز الطبيعي في تونس : بن علي رفض " البيع " والصدمة جاءتنا بعد الثورة

الغاز الطبيعي في تونس : بن علي رفض  " البيع " والصدمة جاءتنا بعد الثورة
الحصري - اقتصاد
ظل حكام تونس منذ عشرات السنين  يوهموننا بأن تونس بلد فقير في موارده الطبيعية وأنه لا يملك  غير " الدماغات " التي باستطاعتها أن تصنع لنا الازدهار في كل شيء . وبالفعل يبدو أن البعض من هذه " الدماغات " استطاعت أن تفعل شيئا لهذا البلد لكن في الاتجاه المعاكس تماما . فقد نجحت منذ حوالي 20 سنة أو أكثر  في تحويل وجهة أكبر حقل لإنتاج الغاز الطبيعي "ميسكار" وأهدته من خلال صفقات غامضة تشوبها عديد نقاط الاستفهام ويلفها الغموض إلى شركة " بريتيش غاز " التي باتت تستغلّ الحقل المذكور دون أي مقابل حسب ما أكدته عديد الأطراف والمختصين والمطلعين على الموضوع من مجتمع مدني وغيره ، وهو الذي يوفّر للبلاد ما بين 50 و60 في المائة من احتياجاتها من الغاز الطبيعي.
وتفيد معلومات شبه مؤكدة أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز تشتري سنويا  ما قيمته 700 مليون دولار بالعملة الصعبة غازا ينتج في أرضها لتوزّعه على مواطنين يسكنون على أرضها بأسعار تعتبر مرتفعة . ولئن لا تجني " الستاغ "  والدولة من العملية غير السخط من قبل المواطن فإن الشركة التي تستغّل حقل " ميسكار " الواقع قبالة صفاقس هي الرابح الأكبر في النهاية إلى جانب من وفّروا لها هذه الامتياز الذي قهرت به شعبا ما زال في هذه الحكاية بالذات "ينظر بعينيه ويموت بقلبه ".
وقبل أن نأتي على جوانب هذا الموضوع وما كتب عنه وما خفي  الذي قد يكون أعظم دعونا في البداية نسأل :
هل كتب على هذا الشعب أن يظلّ يشاهد خيراته وهي تنهب دون أن يستطيع أن يحرّك ساكنا ؟
هل هي الصدفة وحدها هي التي أرادت أن تتعاقب حكومات وحكومات دون أن تتحرّك شعرة سيدنا " علي "  في  رأس إحداها فتفتح ولو صفحة واحدة من ملف الطاقة في تونس عموما وملف حقل " ميسكار " بالخصوص الملف الأكثر غموضا في هذا المجال  ؟
هل أن الملفات " مستعصية ومعقّدة  " إلى هذه الدرجة أم هناك إرادة فوق كافة الإرادات  تحكم قبضتها على هذه الملفات ولا تترك لهذا الشعب فيها أي منفذ ؟
 
خروقات منذ البداية
وللإجابة عن مجمل هذه الأسئلة الحارقة وغيرها كان لزاما علينا  التعمق في الموضوع للإطلاع على كل الخفايا  التي تخص حقل " ميسكار"  . وعلى هذا الأساس اتصلت  "الحصري " بالأستاذة فوزية باشا العمدوني المختصة في العقود النفطية التي كشفت لنا ما لا يمكن لأي عقل سويّ أن يصدّقه  لما يعاني منه هذا الحقل من خروقات قانونية بالجملة وتفاصيل إمضاء هذه الصفقة المشبوهة  حسب تعبيرها إذ قالت : " لقد تم خرق قانون الصفقات العمومية ومجلة المحروقات  بإمضاء وزير الصناعة على ملحق عدد 5 للاتفاقية النفطية الخاصة الممنوحة لشركة "بريتش غاز" في رخصة بحث "اميلكار" المبرمة سنة 1988 . وبموجب  المرسوم  عدد 9 لسنة 1985 المنظم لقطاع المحروقات قبل صدور مجلة المحروقات  سنة 1990 فقد ألزم المشرّع التونسي كل شركة نفطية تمارس نشاطها بتونس وتتمتع بامتياز الاستغلال أن تكوّن ما يسمى " احتياطي إعادة الاستثمار"  وهي نسبة محددة بموجب الاتفاقية النفطية الخاصة تطرح من جملة الانتاج قبل دفع الضرائب وقبل دفع الاتاوة وقبل اقتسام الانتاج مع الدولة التونسية إذا كانت شريكا في الاستغلال. 
وبالتالي يكون بذلك احتياطي إعادة الاستثمار غير خاضع لأي وجه من وجوه الأداء ومخصصا لإعادة استثمار في امتياز الاستغلال موضوعه ولمواجهة أية كوارث قد تحول دون مواصلة الاستغلال".
بن علي رفض والصدمة جاءت بعد الثورة 
وأضافت  السيدة باشا تقول : " سبق أن تقدمت شركة "بريتش غاز" في عهد الرئيس السابق بن علي  سنة 2005 بطلب استعمال احتياطي إعادة الاستثمار المتعلق بامتياز " ميسكار" المملوك 100%  لفائدتها وذلك لغاية إنجاز مصنع لإنتاج غاز البترول المسيل بالاعتماد على الغاز المنتج من حقل صدربعل رخصة "اميلكار" بتكلفة قدرها 85 مليون دولار.وفي هذا الصدد انعقدت جلسة عمل وزارية بتاريخ 28/11/2005 تمّ بموجبها ما يلي :
"الترخيص لشركة "بريتش غاز" في تمويل مصنع غاز بترول مسيل عن طريق استعمال احتياطي إعادة الاستثمار المتعلق بامتياز " ميسكار" في شكل شركة جديدة مستقلة عن شركة  "بريتش غاز " تملكها هذه الأخيرة بنسة 100%  تحت تسمية " بريتش  غا زGPL  . وقد رفض بن علي  آنذاك الترخيص لشركة  "بريتش غاز" في استكمال مكونات المشروع تجهيزات النقل وتجهيزات الخزن وتمويله عن طريق احتياطي إعادة الاستثمار بمبلغ جملي يقدّر ب343 مليون دولار" .
ولكن كانت الصدمة الكبرى ووقعها الأكبر حيث فوجئنا بعد الثورة بمذكرة تفاهم بين الادارة العامة للطاقة وشركة "بريتش غاز" تنصّ على نقل الغاز وتمويل المصنع من احتياطي إعادة الاستثمار المتعلق بامتياز " ميسكار"..
 
اهدار المال العام 
و في نفس الإطار وحسب ما استقيناه من معلومات استنادا إلى معطيات تحصلت عليها  "الحصري  "ونرى أنه يجب الإشارة إليها في هذا السياق فإن وزارة المالية عارضت عن طريق الادارة العامة للدراسات والتشريع الجبائي بعد الثورة و تحديدا بتاريخ 16/06/2011 المثبت بمحضر جلسة اتمام موجبات مذكرة التفاهم المذكورة لمخالفتها احكام المرسوم عدد 9 لسنة 1985 معللة رفضها بما يلي : 
 "1-  لا يمكن لشركة " بريتش غاز" إنجاز بقية مكونات المشروع عن طريق الترفيع في رأسمال شركة "بريتش غاز  GPL " لأن استعمال الاحتياطي المكوّن طبقا لأحكام المرسوم عدد 9 لسنة 1985 المذكور اعلاه لا يمكن ان يكون إلا في مشاريع جديدة.
 2- لا يمكن بعث شركة جديدة يقتصر نشاطها على نقل الغاز وخزنه باعتبار أن المرسوم عدد 9 لسنة 1985 المذكور اعلاه لا يسمح باستعمال الاحتياطي إلا في مشاريع صناعية أو فلاحية مما يستثني مشاريع الخدمات كالنقل والتخزين.
ودونت الإدارة العامة للطاقة والشركة التونسية للأنشطة البترولية آنذاك ملاحظتها التي أقرت ضمن محضر الجلسة المذكور بأن شركة "بريتش غاز " سبق لها أن انجزت تجهيزات الخزن وتجهيزات النقل عبر الانابيب ودخلت طور الانتاج منذ سنة 2009 أي أن الملحق المذكور يمثل محاولة للاستيلاء على المال العام بتواطؤ مع ممثلي الدولة.
 
إصرار غريب 
و من جهة أخرى أوضحت الأستاذة باشا العمدوني في هذا الصدد  للحصري أنه رغم المعارضة الصريحة من عديد الجهات فقد أصرّت بعض الإطارات  بوزارة الصناعة على العمل بمذكرة التفاهم وتمّ فعلا تحرير الملحق عدد 5 للاتفاقية الخاصة وملحقاتها المؤرخة في 25/10/1988 والخاصة برخصة البحث "اميلكار" المسندة لشركة "بريتش غاز"  . وتمّ امضاؤها من قبل وزير الصناعة في 18/02/2012 وسجلت بقباضة المالية البحيرة بتونس في 28/02/2012 بموجب وصل عدد م 018293 . وقد عرضت للمصادقة أمام المجلس التأسيسي وتم ايداعها تحت عدد 27/2012 بتاريخ 25/06/2012 وأدرجت بجدول القوانين في انتظار المصادقة عليها بفصل وحيد  اقتضى نصه أن 
" تتم المصادقة على الملحق عدد ج 5  المنقح للاتفاقية الخاصة برخصة البحث عن المحروقات التي تعرف برخصة " أملكار" وملحقاتها المصاحب لهذا القانون والممضي بتونس في 18 فيفري 2012 بين الدولة التونسية من جهة وشركة "ب ج تونس المحدودة" والمؤسسة التونسية للأنشطة البترولية من جهة أخرى."
 و قد تضمنت تلك  المصادقة  الكثيرمن الخروقات الواضحة للقانون بشهادة وزارة المالية  وهي تتمثل  أساسا في ما يلي حسب ما أفادتنا به محدثتنا :
 - عدم  تنفيذ الالتزام القاضي بحفر بئرين استكشافيتين  بتكلفة 30 م دولار طبق ما التزمت به الشركة في التجديد الاخير بموجب الملحق عدد 4 وهى بئر عدد1  محولة من رخصة اوليس التزمت بها منذ 2002 .
 بئر عدد 2 محولة من رخصة سابقة تسمى * روميديا * التزمت بها منذ 1996   .
- عدم قانونية احالة التزامات من رخصة الى اخرى نظرا  إلى ان ذلك سيجعل الشركات النفطية تتلاعب بالتزاماتها تجاه الدولة التونسية وتتفصى منها ولنقل تتحيل عليها  .
 
خروقات  مرّت دون عقاب
  ولا شك أن هذا الامر يجعل كل المتدخلين في امضائه وفي امضاء محضر جلسة اللجنة الاستشارية للمحروقات عدد 104 بتواريخ 06 و 08 و13 اكتوبر 2013 التي أبدت رأيها بالموافقة على تسوية وضعية شركة "بريتش غاز " بالترفيع في رأسمال شركة "بريتش غاز"  GPL  لإعداد مشروع وحدة الانتاج والنقل والخزن إلى حوالي 343 مليون دولار أمريكي عن طريق استعمال احتياطي اعادة الاستثمار  وتوسيع نشاطها ، متحملين لمسؤولية جزائية طبق الفصل 96 من المجلة الجنائية .
 
سيادة تونس فوق كل المصالح 
ويجب الاشارة إلى نتائج عدم المصادقة على الملحق عدد 5  لفائدة بريتش غاز التي تتمثل من جهة الزام شركة " بريتش قاز " بان تدفع للدولة التونسية مبلغ 30 مليون دولار بعنوان الاشغال غير المنجزة طبق الاتفاقية وملحقاتها  مما يدعم موارد الدولة بصفة حينية أن هذه الشركة لم تدفع ما عليها منذ ذلك الحين .
ومن جهة أخرى  لا بدّ أن  تسترجع الدولة التونسية سيادتها على مساحة 2.032 كلم 2  وهي المساحة الممنوحة " لبريتش غاز" منذ اكثر من 25 سنة  خاصة أمها قد استوفت  جميع مدد التجديد والتمديد القانونية والاستثنائية .  كما أنه  بإمكان الدولة أن تعيد منح هذا الحقل لهذه الشركة لكن بشروط جديدة وبمساحات اصغر لضمان جدية البحث عن المحروقات خاصة بعد ثبوت اهمية القطعة  المعنية وما تحتويه من  حيث كميات هائلة من الغاز الطبيعي بشهادات دولية .
 
وزارة الصناعة : حقل ميسكار لا يعاني من أي مشكل قانوني 
ولمعرفة موقف وزارة الصناعة من تلك الاتهامات التي وجهتها الخبيرة فوزية باشا العمدوني ،  أكد المسؤول في الوزارة رضا بوزوادة في حوار للحصري أنه لا يوجد أي اشكال قانوني في حقل ميسكار لا في العقد والرخصة الممنوحة.
وحول عدم مشاركة المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية في حقل ميسكار أفاد بوزوادة بأن ذلك يعود لعدة أسباب أهمها أن هذا الحقل دخل سنة 1996 حيث كانت سنوات 1994-1995 تشهد انخفاض شديد في أسعار النفط  مشيرا إلى أن الدراسات بينت آنذاك محدودية المدخرات
وأضاف محدثنا أن غاز حقل مسكار ذو نسبة عالية من الشوائب (CO2/H2S/N2) مبينا أن كلفة التطوير مرتفعة في المقابل مردودية اقتصادية ضعيفة حسب قوله.
وإجابة على سؤال موقف الوزارة في  في عدم التزام الشركة بالعديد من المسائل كعدم حفر بعض الآبار وصرف 305 مليون دولار في قطاع الخدمات وليس في قطاع الصناعة أكد مخاطبنا في هذا السياق أن شركة بريتش غاز قامت بتطوير حقل مسكار منذ سنة 1996 وقد قامت منذ ذلك التاريخ بالعديد من الأشغال التطويرية وتقوم حاليا بحفر بئر تطويرية جديدة وفق تعبيره .
 
متى ينتهي هذا الصداع ؟
وأمام هذا الغموض الذي يحيط بملف " الطاقة والمحروقات " في تونس ، بات من أن تتحمّل كافة الاطراف مسؤولياتها التاريخية أمام الشعب ...  رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة ورئاسة مجلس نواب الشعب ... كل طرف من هذه الأطراف يجب أن يسعى إلى فتح هذه الملفات من أجل هدف واحد وهو إظهار الحقيقة ومحاسبة كل من تثبت الأبحاث أنه مورّط بشكل أو بآخر في نهب خيرات هذه البلاد . ولا نعتقد أن هذه الملفات أكثر تعقيدا من قضايا كبرى في العالم تم التحقيق فيها وفكّ رموزها وطلاسمها . فإما أن تثبت الأبحاث أنه لا وجود لتجاوزات واختلاسات وتلاعبات في حق البلد وإما أن تثبت أن هناك هذا الكم الهائل من التجاوزات وربما أكثر وعليه لابدّ من العقوبات .
 
مسرة فريضي 
 

التعليقات

علِّق